الأحد، فبراير 15، 2009

التطلع إلى المستقبل انطلاقا من المعاناة

د. عبدالله المدني

كل الدول الآسيوية في تقديري خاضت غمار الحروب بدرجات مختلفة، إن لم يكن من اجل التخلص من ربقة المستعمر الأجنبي الأبيض الآتي من وراء البحار والمحيطات، فانه من اجل الاستقلال والسيادة في كيانات غير خاضعة لمشيئة الأمم مجاورة. لكن في الوقت نفسه فان هذه الدول طلقت الحروب طلاقا بائنا بسرعة قياسية وتخلصت من آثار حروبها ونزاعاتها السابقة، موجهة كافة جهودها و ثرواتها الطبيعية ومواردها البشرية وطاقات مجتمعاتها نحو التنمية والرخاء والازدهار، مع استخلاص الدروس والعبر من تجاربها وتجارب غيرها من المجتمعات.

جزر كينمن كمثال

وإذا كانت الأمثلة على صعيد الأمم كثيرة ونجد أكثر تجلياتها في ما حدث في اليابان ثم كوريا الجنوبية ففيتنام و لاحقا في كمبوديا ولاوس، فان أكثر الأمثلة وضوحا على صعيد المدن والجزر هو ما حدث في جزر كينمن التايوانية التي تحولت اليوم من ساحة قتال ومعارك حربية إلى جسر يربط ما بين تايوان والعالم الخارجي في عوالم الاقتصاد والسياحة والثقافة والفنون.

خط المواجهة الأول

فهذه الجزر - التي ما هي إلا مجرد أرخبيل يتكون من كينمن الكبرى وكينمن الصغرى وعدد آخر من الجزر الصغيرة التي تبعد جميعها مسافة عشر كيلومترات عن ميناء زيامن في إقليم فوجيان الصيني، و مسافة 275 كيلومتر عن السواحل الغربية لتايوان - شكلت على مدى نصف القرن الماضي خط المواجهة الأول ما بين تايبيه وبكين، وذلك منذ أن اتخذت القوات الوطنية بزعامة الماريشال تشيان كاي تشيك في منتصف عام 1949 قرار الانسحاب من البر الصيني إلى تايوان مع تحصين مواقعها العسكرية فوق جزيرة كينمن الكبرى للتصدي لقوات ماو تسي تونغ الشيوعية.
17 ألف قتيل وجريح وأسير

وكان للقرار الأخير مشفوعا بخطط العسكرتاريا التايوانية واستراتيجياتها دورا حاسما في هزيمة القوات الشيوعية في يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول 1949، بعد معركة ضارية دامت 56 ساعة وفقد فيها الجانب الأخير 17 ألف عنصر ما بين قتيل وجريح وأسير. ومنذ تلك اللحظة الفاصلة اقتنع زعماء بكين أن هزيمة أعدائهم في تايبيه واستعادتهم لتايوان يجب أن يمر عبر كينمن أولا، فيما اقتنع قادة تايبيه بأن الدفاع عن كينمن هو دفاع عن البلاد بأسرها، وبالتالي فرضوا على أهلها حمل السلاح إجباريا ودون أي مقابل.

450 ألف قنبلة

وشهدت حقبة الخمسينات من القرن المنصرم وتحديدا بدءا من عام 1954 أحداثا عاصفة تمثلت في قيام بكين في قصف جزر كينمن بأكثر من 450 ألف قنبلة لمدة عام كامل على أمل تحريرها والتقدم عبرها نحو بقية أراضي تايوان. ولما كان عدد الضحايا كبيرا والقصف الصيني متواصلا ، قامت الولايات المتحدة بتهديد بكين بالأسلحة النووية إن لم تتوقف عن أعمالها العدوانية ضد التايوانيين، الأمر الذي ساهم في تحقق فترة من الهدؤ في مضيق تايوان، إلا أن هذا ما لبث أن انهار في الثالث والعشرين من أغسطس/ آب 1958 بعودة بكين إلى قصف كينمن في تطور وصف وقتذاك بأنه تحد للأمريكيين.

تطبيق الأحكام العرفية

في الفترة التالية التي تميزت باتفاق غير مكتوب ما بين تايبيه وبكين لوقف إطلاق النار، استمرت بكين في أعمالها العدائية ضد تايوان عموما وكينمن خصوصا، لكن عبر رمي المنشورات الدعائية بدلا من القنابل. غير أن ما تميزت به هذه الحقبة أكثر هو سريان الأحكام العرفية فوق أراضي كينمن بنسبة مئة بالمئة - على اعتبار أنها خط المواجهة الأول مع النظام الشيوعي في البر الصيني – فيما كان تطبيق هذه الأحكام في بقية أراضي تايوان لا يتعدى 3 بالمئة، بل أنه حينما تم إلغاء الأحكام العرفية في جميع أنحاء تايوان في 15 يوليو/ تموز 1987، ظل بعض هذه الأحكام مطبقا في كينمن إلى أن ألغيت تماما في عام 1992.

حياة خشنة وقاتمة

وكنتيجة لهذا الفارق، فان الحياة في هذه الجزر التي يعني اسمها بالصينية "البوابة الذهبية" والتي صارت جزءا من الصين في عام 1911 حينما تمت الإطاحة بالإمبراطور "كينغ"، تميزت بالخشونة والقتامة مقارنة بالحياة فوق بقية الأراضي التايوانية.

منع كرة السلة والراديو والطائرات الورقية

وفي هذا السياق يتذكر أحد أبناء كينمن ممن عاش في ظل فترة الأحكام العرفية قائلا: " لما كانت سياسة الدولة هي ردعنا عن الوصول إلى البر الصيني سباحة، فقد منعت عنا كرة السلة خوفا من استخدامها للطفو، وشمل الحظر أيضا الطائرات الورقية وأجهزة الراديو وذلك خوفا من استخدامها في إرسال أو استقبال إشارات من البر الصيني". ويضيف قائلا: " كان يجب علينا العودة إلى منازلنا والابتعاد عن الشوارع وإطفاء كل الأنوار قبل العاشرة مساء تحت طائلة المسائلة ...، وكانت الاتصالات الهاتفية بين بعضنا البعض يتم عبر بدالة يشرف عليها عسكري يسترق السمع إلى كل كلمة.

بحيرة الماء الميت

وعلى حين يصف البعض – مثل مخرج الأفلام الوثائقية يانغ شو شينغ – الوضع في كينمن بالمأساوي واصفا إياها ببحيرة الماء الميت أو ناعتا أهلها بضيقي الأفق ممن أصبحت عقولهم جامدة ونفوسهم حذرة بسبب طول بقائهم تحت سلطة الأحكام العرفية القمعية، فان البعض الآخر – مثل الأكاديمية تساي هوي- مين من جامعة تايوان الوطنية (كبرى جامعات البلاد واشهرها) ترى أن الظلم والإهمال اللذين لحقا بسكان كينمن على مدى نصف قرن تسببا في امتلاكهم لرؤية عالمية اشمل وفي إعطائهم دافعا للسفر والهجرة والترحال إلى مناطق في جنوب شرق آسيا قبل غيرهم من أبناء تايوان، وبالتالي تشكل لديهم وعي أوسع حول الأشياء والعلاقات.

تأصيل الديمقراطية والسلام

وتضيف السيدة تساي التي أجرت بحثا ميدانيا عن جزر كينمن وسكانها: " إن ما تقوله يتجسد اليوم في السهولة التي تطبع روابط سكان كينمن بسكان البر الصيني وانسيابية حركة المعديات المنطلقة عشر مرات يوميا من كينمن إلى مدينة زيامن وعدم وجود حساسية لدى سكان كينمن من الذهاب يوميا إلى الأخيرة لشراء حاجاتهم اليومية بأسعار اقل، علاوة على تمسك الكينمنيين بالديمقراطية كخيار ما بعده خيار. والأمر الأخير هي من الأمور التي كثيرا ما يشدد عليها حاكم إقليم كينمن السيد لي شو- فنغ، والذي لئن اعتبر أن الأحكام العرفية كانت ضرورية في الماضي من اجل الأمن القومي، فانه يرى اليوم أن تأصيل الديمقراطية والسلام والرخاء الاقتصادي هما من ضروريات المستقبل التي لا بديل عنها.

استعادة الدور الثقافي والحضاري

وفي مقابلة أجريت مع الحاكم مؤخرا شرح الرجل بإسهاب أنه يطمح إلى استعادة ما كان لإقليمه من دور ثقافي وحضاري بعد عقود من دوره العسكري والحربي، وهو في هذا لا يختلف عن حكام أقاليم تايوانية أخرى من تلك التي تحاول اليوم استعاضة أمجاد اقتصادية ذهبت مع المتغيرات والهزات المالية العالمية بلعب دور ثقافي جاذب. ولعل من أبرز هؤلاء محافظ مدينة تايشونغ السيد " جاسون" الذي يحاول بصبر وأناة وتصميم أن يستعيد السمعة الذهبية لمدينته في منتصف القرن الماضي حينما كانت تايشونغ مركز ثقافة الأمة وكانت تعرف باسم " مدينة الثقافة " بسبب جهودها في تعزيز الأنشطة الثقافية ونشر القيم الوطنية خلال فترة الاستعمار الياباني.

متروبوليتان تايشونغ

وفي هذا السياق نجح الرجل في إقناع السلطات ببناء دار ضخمة للأوبرا (متروبوليتان تايشونغ)، بل نجح أيضا في إشعال فتيل المنافسة ما بين عدد كبير من ابرز المعماريين في العالم للفوز بتصميم هذا الصرح الثقافي. ويكفي أن نعلم أن سبعة من هؤلاء المتنافسين حاصلين على جائزة "بريتزكر" - التي توازي في أهميتها وصيتها العالمي جائزة نوبل – على رأسهم المعمارية العراقية زهاء حديد ( ابنة وزير المالية في أول حكومة بعد انقلاب 14 تموز/يوليو 1958 ).

تويو ايتو

وحينما يتم الانتهاء من بناء هذا الصرح العملاق الذي فاز ببناء تصميمه المعماري الياباني الأشهر " تويو ايتو "، يمكن لمدينة تايشونغ أن تفتخر باستعادة دور خسرته لصالح تايبيه منذ عام 1972 أي حينما انتقل ما كان يعرف باسم " جمعية الثقافة " المؤسسة في عام 1921 من تايشونغ إلى الأخيرة بسبب انتماء معظم أعضاء الجمعية إلى تايبيه فضلا عن توسط مدينة تايبيه لأراضي البلاد وبالتالي سهولة وصول الجميع إلى الأخيرة للاجتماع والتسوق و أيضا للقيام بالأعمال الخاصة – تعبير ملطف بلغة الماندرين لما يمكن أن يندرج تحته كل المتع المحرمة، وهي المتع التي بدأت في الانحسار تدريجيا منذ أن شرع حاكم الإقليم السابق في الترويج للعروض الفنية والفنون المرئية والصوتية كبديل.

الثقافة كأسلوب حياة

غير أن مسئولي إدارة الشئون الثقافية في مدينة تايشونغ يحذوهم الأمل في ما هو أكثر من دار للأوبرا ومسرح مدرج يستوعب عشرة آلاف نسمة وملعب جديد لكرة البيسبول ومهرجان عالمي لموسيقى الجاز ومنتزه للمهرجانات الشعبية وعروض فنية مجانية للآباء والأبناء. إنهم يتطلعون إلى تجذير الثقافة في المجتمع وإيصالها إلى المدارس والجماعات المختلفة لينتهي وضع تايوان بوضع مشابه لأوروبا والولايات المتحدة واستراليا وكندا حيث الثقافة جزء من أسلوب حياة الناس وأحاديثهم اليومية وطرق تواصلهم.

د. عبدالله المدني
* باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : 1 فبراير / شباط 2009
البريد الالكتروني:

elmadani@batelco.com.bh



ليست هناك تعليقات: