الجمعة، فبراير 27، 2009

عن الأسرى والحوار الوطني وحكومة الوفاق الوطني

راسم عبيدات

......... ما وصلت إليه أوضاع الحركة الأسيرة الفلسطينية من حالة كارثية بحاجة إلى وفقه جادة ومعمقة،ليس من كل فصائل العمل الوطني الفلسطيني والإسلامي في الخارج،بل من كل أبناء وقيادات الحركة الأسيرة في السجون والمعتقلات الإسرائيلية،وصحيح أن الحركة الأسيرة الفلسطينية تتعرض إلى حملة وهجمة واسعتين من القمع الممنهج والمتواصل من قبل إدارات السجون الإسرائيلية،من أجل تفريغها من محتواها الوطني والنضالي ودفعها إلى خانة الخيارات الفردية والهم الذاتي على حساب الهموم العامة والاعتقالية،فحتى اللحظة الراهنة تستمر معركة الأسرى مع إدارات السجون على جبهات الحقوق ومنجزات ومكتسبات الحركة الأسيرة،والمعركة الآن تتركز وتتمحور حول مسألة الزي البرتقالي،حيث تواصل إدارات السجون الإسرائيلية التنكيل بالأسرى الفلسطينيون،من أجل إجبارهم على ارتداء هذا الزي الخاص بالأسرى المدنيين والمجرمين،وذلك لكي تنزع عنهم صفة النضال والمقاومة،وأيضاً لكي تمعن في إذلالهم وأهانتهم وإظهارهم كمجموعة من القتلة والمجرمين واللصوص.

،وصحيح أيضاً أن الحركة الأسيرة الفلسطينية مستمرة في رفض هذا المطلب،وقد حددت الحركة الأسيرة في مختلف السجون الإسرائيلية،إن التفاوض مع إدارات السجون الإسرائيلية بهذا الخصوص ،يجري فقط من خلال القيادة الاعتقالية في سجن "ريمون" في منطقة النقب،ولكن هناك أشياء وممارسات وسلوكيات اعتقالية غير مقبولة وتثير الاستغراب والاستهجان،وبحاجة إلى وقفة جادة من قيادات الحركة الاعتقالية بمختلف ألوان طيفها السياسي،لما لها تأثيرات سلبية ومدمرة على واقع الحركة الأسيرة الفلسطينية وهيبتها وسمعتها ودورها في النضال الوطني الفلسطيني،فهناك الكثير من المعطيات والمعلومات الواردة من السجون والمعتقلات،تشير إلى حالة واسعة من الإحباط والشعور باليأس، من ما آلت اليه الأوضاع الفلسطينية الداخلية وما فعله أوسلو من ذبح جدي للحركة الأسيرة الفلسطينية،من خلال شعور بأن أوسلو أعاد أوضاع الحركة الأسيرة عشرات من السنيين إلى الوراء، وتأثيراته السلبية وأمراضه طالت الحركة الأسيرة الفلسطينية،فعلى سبيل المثال في الوقت الذي نجحت فيه الحركة الأسيرة وبالكثير من الجهود والطرق الملتوية من إدخال الهواتف النقالة إلى العديد من السجون الإسرائيلية،من أجل التغلب على مشكلة العزل وعدم التواصل التي تفرضها عليها إدارات السجون مع العالم الخارجي،واستخدام تلك الخدمة من أجل الاطمئنان على الأهل والتواصل معهم،ناهيك عن التواصل مع الهموم والقضايا السياسية والوطنية والمجتمعية،وجدنا أن البعض،استخدم تلك الخدمة وبدون أية ضوابط وطرائق تنظيمية،من أجل تعزيز حضوره ودوره الشخصي والجهوي في المعتقل،وكذلك استغلال حاجة المعتقلين وخصوصاً المحرومين والممنوعين من الزيارة لفترات طويلة،لتلك الخدمة وبيعهم تلك الأجهزة بأسعار خيالية،حيث أفاد عدد من الأسرى المحررين من الأسر حديثاً،بأن سعر الهاتف الجوال الواحد وصل إلى 8700 دولار،وهو ما يعادل عشرات أضعاف سعره الحقيقي،وهذا التصرف وهذه الممارسات،تنذر بمخاطر جدية تحيط بالحركة الأسيرة الفلسطينية،وما حدث من دمار قيمي وأخلاقي ووطني في الخارج بفعل أوسلو،نتلمس نتائجه في السجون والمعتقلات،وهذا ليس بالمرض الوحيد الذي يعصف بالحركة الأسيرة الفلسطينية،بل ما يرشح من معلومات تشير إلى إحلال العلاقات الجهوية والبلدية والعشائرية محل العلاقات الحزبية والتنظيمية،وكذلك حالة واسعة من من هجران الثقافة والمطالعة،وحجم هذا الدمار والتراجع في أوضاع الحركة الأسيرة،قادر أن أتلمسه من خلال معايشتي له في الأسر،وهذا الواقع هو الذي دفع بالأسير القائد المحرر حسام خضر،للقول أتمنى أن يستشهد ابني على أن لا يسجن في هذه المرحلة،مرحلة لم تعد فيها الغلبة والحكم والقرار إلى المفاهيم والمبادئ والقيم الاعتقالية،بل إلى المعايير الجهوية والعشائرية والبلدية ودعاة"الفهلوية" والاستعراضية ....ألخ.

أما الحوار الوطني الفلسطيني والذي يتواصل في القاهرة،فالمؤشرات والمعلومات الواردة من هناك تشير إلى حصول تقدم كبير وإزالة للعثرات والعقبات في طريق الحوار الوطني الفلسطيني على طريق استعادة الوحدة الوطنية وإنهاء ملفات الانقسام السياسي والجغرافي والاعتقال السياسي، والاتفاق على تشكيل خمسة لجان لمعالجة القضايا الخلافية،ورغم ذلك ما زال هناك خشية كبيرة من أن هذا الحوار قد يعاود الانتكاسة من جديد وعلى نحو أعمق وأشد،إذا لم يلامس الحوار المسائل الجوهرية لجهة الأساس السياسي الذي ستقوم عليه الوحدة وحكومة الوفاق الوطني والبرنامج والإستراتيجية والأجندة للمرحلة القادمة،وخصوصاً في ظل اتفاق على تشكيل حكومة وفاق وطني سابقة لهذه القضايا الجوهرية،ومظهرة وكأن الخلاف فقط في الإطار الإداري والمحاصصة حول السلطة والوزارات والمناصب والمراكز وغيرها،وهذا الخيار والطريقة لمعالجة القضايا والأمور الجوهرية، اختبرت سابقاً وثبت فشلها وعدم جدواها في اتفاق مكة،ورغم أن هناك معلومات تقول برفع "الفيتو" الأمريكي- الأوروبي الغربي عن تشكيل حكومة وفاق أو وحدة وطنية فلسطينية، فهذا لا يبرر أن تتحول الوحدة أو الحكومة إلى شيء تجميلي وديكوري،وتغلق الجرح على الصديد لكي ينفجر على نحو أعمق وأشد مستقبلاً،فكيف ستكون هناك حكومة وحدة أو وفاق بدون أساس وبرنامج سياسي تقوم عليه؟،وما هو سقف هذا البرنامج السياسي؟،وما هي الخيارات والأجندات الموضوعة لمواجهة المرحلة القادمة وخصوصاً في ظل قيام حكومة إسرائيلية يمينية مسعورة قائمة على إقصاء الآخر وعدم الاعتراف ليس بحقوقه بل بوجوده،والبوادر والمؤشرات تنذر بكوارث حقيقية،حيث بدأت عمليات التطهير والترحيل العرقي من مدينة القدس،حيث تعتزم الحكومة الإسرائيلية هدم 88 بيت فلسطيني تأوي أكثر من 1500 فلسطيني،وعدم الأعتراف بعرب الداخل- 48 كأقلية قومية وربط مواطنتهم بما يسمى بالولاء للدولة.

ومن هنا لا نريد للأمور أن تعود إلى المربع الأول،بل ما نريده حوار جدي يلامس كل القضايا الجوهرية،فالجميع يدرك ويعرف جيداً بأنه بدون اتفاق على برنامج سياسي موحد،وإستراتيجية موحدة،فإن الانقسام سيبقى قائماً،بل سيتعمق ويأخذ أبعاداً خطيرة جداً،وكذلك بدون إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية،وشمولها لكل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني،فإننا سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة،وستستمر أوضاعنا الداخلية في التآكل والضعف،وسننتحر ذاتياً ونخسر قضيتنا وشعبنا ومشروعنا الوطني.

ليست هناك تعليقات: