السبت، يناير 02، 2010

رسالة غير مقروءة في الليلة الأخيرة

محمد فوزي عبد الحي
في الليلة الأخيرة التي تشبه نهايتنا الأخيرة، تنتهي سنة قديمة لتبدأ دورة جديدة، في الليلة الأخيرة ترقد على الفراش الرقدة الأخيرة تسترجع وثائق برنامج الحياة في اللحظة الأخيرة، وترى كيف عشت لا رجلا ولا سيدا ولا بين بين، وكيف كنت لا مؤمنا ولا كافرا ولا بين بين، وكيف تموت لا ملكا ولا أميرا ولا مواطنا ولا بين بين، وفي الليلة الأخيرة نسترجع نكبات العمر كما نسترجع ذكريات الطفولة وزخمات الفرح وبرهات الكرامة، وفي الليلة الأخيرة من كل عام نبعث هذا العام والعام الماضي وكل الأعوام...
في ليلة رأس العام، في الساعة الأخيرة من اللية الأخيرة.. ماذا تكتب يا قلمي من سفر الأحزان؟ ماذا تكتب عن سر الظلم القابع في رأس الفرعون وفي غرين النيل وفي جوف دفينِ الأهرام؟ ماذا تكتب عن تمساح الخوف يخيم في رأس القوم، في لفافة كل رضيع، في صرخة كل فطيم، في رغبة كل صبي، في لفتة كل فتاة، في حيرة فرسان الأحلام!
ماذا تكتب عن سفر الحرية؟ محروق سفر الحرية في ردهة قصر الظاهر في عصر الأقزام، وهناك حريق بين القصرين يدمر في ستر الخندق ويحرف أذكار النور، ويعتقل دولة سورة نون والقلم، ويسخر من ثورة "اقرأ" ويغير خط الرحلة ويخون أسفار يسوع .. يتنكر للعذراء.. ماتت العذراء ولم تزل في قلبي حية أغنية عذراء، لو تعلم العذراء أي عاشق تركت لم تمت!
ماذا تكتب عن غزة العذراء؟ افتضها الخنزير البري في عشرين ليلة شتوية وشوى أطفالها وألقمهم كلابه البرية، وحطم رجالها وجعل من جسامينهم أكبر مطعم لشواء اللحوم البشرية على أنغام القاذفات وشراب الرمان الفسفوري.
ماذا تكتب في الليلة الأخيرة، في الدقيقة الأخيرة، وقد آب الغريب إلى قريته وألقى يديه أمامه كمجداف يهز أمانيه العاثرة، ولكن ويح هذه القرى، لقد ماتت القرية وماتت المدينة ومات الأهل جميعا، لم يبق من ذلك السوق الجميل وتلك الليالي الخوالي سوى الذاكرة ولا زال الغريب يفر من الذاكرة، ولكنه يفر إليها فما عاد يذكر من الوطن سوى الفراغات الحزينة عندما أوهموه أن السطر الأول من الحلم يبدأ على باب المدرسة.. على باب المدرسة قرأ السطر الأول في أمسية المعرفة التائهة في صحاري العرب منذ قتل عليّ "وقل رب زدني علما"، مذ ذلك اليوم الحزين، مذ خضعنا للاغتصاب الأموي، مذ أصبحت طاعة السلطان هي القرآن، وأضحى السلطان صديقا للإبليس، لكننا استمرأنا الطاعة والاغتصاب، فزالت آلام الاغتصاب وصارت لذة المظلومية أثيرة بعيدة حتى طلوع الروح...
تغربنا جميعا، تغربت الأمة وهاجر الوطن من الدفء إلى الجليد، من الشمس إلى الثلوج.. قرأت سطور الغربة مذ ترك آدم وطنه في الجنة وتغرب في أرض القفار، ولكن محمد العظيم ترك غربة الوطن في مكة وهاجر إلى وطن الغربة في المدينة وصنع الجنة هناك، ولكن إبليس كان أيضا هناك ... فاغترب عليّ ثانية من جنة المدينة الملطخة بدماء الخلفاء وصار إلى الكوفة الغادرة حيث بدأ طريق الدم الطويل، وعلى درب الغربة ترك الحسين وطنه وذهب إلى قبره في كربلاء، ومن ذلك الحين تغربنا جميعا، وتغربت في وطني، تغرب الوطن وتغربت ثورة "اقرأ"، وتغرب القرآن وغربت الشمس مرارا ولكنها كانت تعود دائما اشد ضعفا وأقل ثورة وبريقا...
أخيرا، تواكبت روحي مع الثكل والغربة، وصرت أغني مع ابن الرومي الجميل الثاكل مثل العراقيين والفلسطينيين والصوماليين واليمنيين والجزائرييين والسودانييين، تخونني الكلمة..مثل العلويين آل البيت الأحبة، تخونني الكلمة.. مثل المسلمين الثكالى.. مثل الحريم!
قرات سطور ابن الرومي ورددتها على الساقية وفوق السطوح وفي عيني جارتي الجميلة البعيدة، قرأت في عينيها الخضراوين كتابي وشتاتي واغترابي الحزين، "وحبب أوطان الرجال اليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلك.." ولكن هل شعرت يوما أنها وطني وهل أحبت أن أكون لها وطنا؟
ربما يجيبني العام الجديد، ربما يموت الوطن، ويأتي العام الجديد بوطن جديد، ربما يهاجر الوطن لمواطن آخر، وربما يهاجر المواطن لوطن آخر، وقد يولد الوطن من جديد، وقد وقد...الوطن ثلاثة حروف صغيرة ولكنه يصنعنا كثيرا وأحيانا نصنعه، ويقتلنا كثيرا وأحيانا نقتله، ويشرب دمنا كثيرا وكثير من يشرب دمه، عشاقه كثير ولكن مزاجه عربي لا يعشق إلا السيد.. ..
على أي حال، سيشهد العام القادم دخلة الوطن ودخلة الوطن وجنازته شيء واحد، لقد تجهز المعازيم/المعزون لأخذ العزاء/الزغردة في المرحوم الوطن قبل الليلة الأخيرة، وثَمّ غربت الشمس!

باحث مصري

ليست هناك تعليقات: