الأربعاء، يناير 28، 2009

ملحمة الصمود تتحقق في غزة

زهير الخويلدي
"في عالم يسوده الاضطراب بالفعل، تكون الحقيقة لحظة من الزيف"
غي ديبور- مجتمع المشهد


لماذا المكابرة والتشكيك والمزايدات على ما حدث في غزة من تعاطي ايجابي وبطولي من طرف الإنسان الفلسطيني مهما كان سنه وجنسه وانتمائه ضد المحرقة التي تعرضت لها غزة ؟

لم يدخر هذا الإنسان المستميت الذي استوى عنده الفناء مع البقاء أي جهد من الإرادة والتحدي والصمود إلا وبذله في الميدان واختلطت دموعه وعرقه بدمه على أرض المعركة وكللت هذه الأفعال المقاومة طيلة ثلاث وعشرين يوما بالنجاح والتوفيق وفشلت كل مشاريع الاستسلام وتحطمت نظرية المؤامرة ولم تخلع الكوفية الفلسطينية من رؤوس حامليها وحفظ الأشاوس العرض وذبوا عن القلعة الغزاوية على أحسن ما يكون وتغلبت الرغبة في الحياة والعزة العربية على الفسفور والبارود الحارق وربح الفلسطينيون أهم معركة على الإطلاق في تجربة تقرير المصير التي يخوضونها بشكل باسل.

ترى هل يتعارض ما قامت به ألوية المقاومة مع الحكمة والمنطق والعقلانية والتقدمية حتى تتهم بالظلامية والإرهاب والتشدد والفاشستية من بعض النخب العربية المدجنة؟ أليست المقاومة حق كفلته كل الدساتير والقوانين الوضعية والشرائع والأديان؟ ألا يعتبر غير لائق وغير أخلاقي ألا يدافع الناس عن أوطانهم وأراضيهم؟ ألم تقدم القلعة الغزاوية قرابة ألف وخمسة مائة شهيد وخمسة آلاف جريح ومشرد كفداء لهذا القطاع المحاصر؟ ألم يكن جلهم من الأطفال والنساء والأبرياء العزل؟ أي حجة أقوى من أن يكون قادة الممانعة في الصفوف الأمامية للمواجهة ويستشهد بعض القادة في قلب الميدان مثل ريان وصيام؟ هل يستقيم ترويج البعض لاختبائهم في الملاجئ وهروبهم إلى الخارج عبر الأنفاق؟ ألم يعبروا عن التحامهم بالقاعدة الشعبية وتماهيهم مع الجماهير في لحظة نضالية نموذجية في التجربة العربية في مناهضة الامبريالية والصهيونية؟

ما تحقق في غزة في الأسابيع الثلاث من يناير هو ملحمة صمود بالمعنى الحقيقي للكلمة وان عجز أعتي الجيوش في المنطقة من الدخول إلى مخيمات المدينة وأحيائها ومن السيطرة على بعض القرى والمجمعات السكنية مثل بيت لاهيا وبيت حانون وخان يونس ورفح هو فشل ذريع للغزاة ونجاح بطولي وأسطوري للمقاومين وأي حديث عن كلفة باهضة من الأرواح وتدمير في البنية التحتية وتعميق شرخ الانقسام الداخلي الفلسطيني والانقسام الخارجي العربي هو حديث فاقد للمعنى ومردود على أهله ومجانب للصواب لأن الانجازات الكبرى والبطولات الحاسمة لا تصنعها القلوب الضعيفة والذهنيات الشاردة بل تنجزها الشبيبة المؤلفة قلبهم على الحق والصابرين على الشدائد والمحن والمتغلبين على الوهن وانقطاع المدد.

أهم مكسب تحقق هو إدانة العالم بأسره للمنزع العنفي للكيان الغاصب وانكشاف الوجه الحقيقي للدولة العبرية وبداية النهاية للاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين ونية العديد من الهيئات الحقوقية العالمية تتبع أركان هذا النظام السياسي قضائيا لما ارتكبوه من جرائم فضيعة في حق السكان الفلسطينيين المدنيين، فهل يعقل أن تقصف غزة وهي مغلقة ومحاصرة ومعزولة عن العالم في ثلاث أسابيع بقيمة نفس القنابل تقريبا التي قصفت بها مدينة لندن من طرف بلدان المحور لمدة خمس ستة من الحرب العالمية الثانية؟

المكسب الثاني هو موجة التضامن العارمة التي شهدتها الشوارع والفضاءات الرسمية السياسية والحقوقية والثقافية والاجتماعية تجاه القضية الفلسطينية من طرف كل شعوب العالم تقريبا بما في ذلك زعماء أمريكا اللاتينية مثل تشافيز وموراليس وبعض المثقفين ورجال الدين اليهود الرافضين لسياسة الإبادة العربية التي تنتهجها إسرائيل تجاه السكان العرب.

المكسب الثالث هو عودة القضية الفلسطينية إلى المحيط العربي والإسلامي لتحتل مركز الصدارة في اهتمامات ساسة البلدان وخاصة تركيا وإيران وماليزيا وتحول ملحمة غزة إلى أداة فرز بين المتباطئين المترددين والمتجذرين المتحمسين وانبثاق جيل شاب جديد لم تنسه المناهج التربوية والثقافية المعدلة جوهر الأمور وانتصاره للقضايا العادلة لأمته.

المكسب الرابع وهو أهم ويقترن بالساحة السياسية الفلسطينية الداخلية يتمثل في إعادة توزيع أوراق اللعبة السياسية بين حماس وفتح وبقية الفصائل وبروز خط جديد داخل الحركية المجتمعية يدعو إلى مرجعية نضالية مشتركة تخلف منظمة التحرير وتشارك فيها كل الحساسيات الموجودة وتتجاوز حالة الانقسام الماضية وتستثمر انتصار غزة في التصورات المستقبلية للمشروع الانعتاقي الفلسطيني.

من نافل القول أن حركة التحرر العربية عرفت أحلك عاصفة مرت عليها منذ تشكلها أثناء تلك الأيام العصيبة التي عرفتها القلعة الغزاوية وأن صمود هؤلاء الأبطال أنقذ الموقف وحفظ ماء الوجه وأن العاصفة قد مرت بسلام وأن مستقبل هذا الحراك الاجتماعي المنهمر سيكون في أفضل حالاته طالما أن الطبقة الناشئة هي التي ستساهم في صنعه، فمتى تشرق الشمس على العرب حتى تعانق رايلاتهم عنان السماء؟ وأليس الصبح بقريب؟

كاتب فلسفي

ليست هناك تعليقات: