السبت، يناير 31، 2009

طالبان وانتهاك حقوق المرأة مجددا

د. عبدالله المدني

إن ما قامت به حركة طالبان أثناء حكمها لأفغانستان ما بين عامي 1996 و 2001 من الجرائم كثير ومتنوع وغير مسبوق في التاريخ، وبالتالي فان الأمر يحتاج إلى مجلدات لتدوينها و استعراضها، و لا يمكن لمقال قصير أو متوسط كهذا أن تستوعبه كله.

انتهاك حقوق الأفغانيات

على أن الجريمة الأبرز والأكثر شهرة بطبيعة الحال هو ما قامت به هذه الحركة الهمجية المتشددة بحق النساء الأفغانيات. وفي هذا السياق هي لم تكتف بإصدار الفرمانات المقيدة لحقوقهن مثل حقهن في التسوق والتنقل وارتياد الحدائق العامة وارتداء ما يحلو لهن من ملابس وحقهن في اختيار العمل المنتج لإعالة أنفسهن أو حقهن في مزاولة الهوايات البريئة كالغناء أو الرسم أو التصوير أو قيادة الدراجات الهوائية، بل تجاوز كل ذلك إلى حرمان المرأة الأفغانية - التي كانت قد حققت درجة نسبية من التعليم و الانفتاح والتمدن في ظل العهدين الملكي والشيوعي - من حق أصيل شرعته لها الأديان السماوية وغير السماوية و مجمل المواثيق والقوانين الدولية، ألا وهو حقها في التعليم والعمل.

الفلول الطالبانية في باكستان

ومناسبة عودتنا اليوم إلى الحديث عن هذا الأمر بعدما توارى منذ تدخل واشنطون لإسقاط النظام الطالباني بالقوة العسكرية في عام 2001 ، هو أن فلول طالبان المتواجدين في المناطق القبلية الباكستانية المحاذية للأقاليم الأفغانية الجنوبية، وتحديدا في إقليمي وزيرستان ووادي سوات لا يزالون متمسكين بشعاراتهم العدائية ضد المرأة، بل يفاخرون بالدوس على حقوقها، أي تماما مثلما كان يفعل أمير المؤمنين الملا محمد عمر آخوند زادة ورفاقه حينما كانوا ينسبون أفعالهم المغالية ضد المرأة إلى الدين ويصرحون أنهم أكثر من يكترث لحقوق المرأة وصيانة كرامتها والحفاظ عليها، مرددين أن الفرمان الخاص بضرورة لبسها للبرقع التقليدي وبمنعها من الظهور بالملابس الملونة أو الأظافر المطلية أو الروائح الزكية أو الأحذية عالية الكعب - تحت طائلة معاقبتها بالجلد أو الجلد أو قطع الأصابع أو السجن لفترات طويلة- إنما هو ستر لها ومنعا من فسادها أو إفسادها للمجتمع.

وبطبيعة الحال شهدت سنوات حكم طالبان في أفغانستان الكثير من الحوادث المؤسفة التي راح ضحيتها رجال ونساء في عمر الزهور، كان كل جريمتهم أنهم أحبوا الحياة، فخالفوا فرمانات طالبان لينتهوا بالآلاف في ستاد غازي في كابول الذي حوله النظام من ميدان للتنافس الرياضي الشريف إلى ساحة للإعدامات والجلد والرجم.

المرأة عالة على النظام

و يعتقد أن النظام الطالباني شعر - لكن دون أدنى وخز للضمير - بعد فترة وجيزة من تطبيق هذه القوانين المجحفة بمدى فداحة ما ارتكبه جراء منعه للمرأة من العمل، إذ صارت الأخيرة عالة عليه، وبما جعله مضطرا لتخصيص إعانات مالية لها من بيت الزكاة. ومن ناحية أخرى، قذفت فرمانات طالبان الاعتباطية بآلاف الأفغان والأفغانيات في خانة البطالة كنتيجة لإغلاق مؤسسات كانت النساء يمتلكنها أو كنتيجة لإغلاق مدارس وعيادات طبية مخصصة للنساء كان الرجال يديرونها. ولعل أفضل دليل على صحة هذا الكلام تقرير رسمي جاء فيه أنه حينما جاء طالبان إلى الحكم كانت نسبة النساء الموظفات في القطاع الحكومي هي 25 بالمئة، فإذا ما أضفنا هذه النسبة التي قضى الطالبانيون عليها بالكامل إلى نسبة الموظفات المسرحات في القطاعات الأخرى لعرفنا مدى الحماقة الذي ارتكبها النظام الطالباني.

تأثر قطاع التعليم

و لعل أكثر القطاعات التي تأثرت بوضوح بالفرمانات الطالبانية هو قطاع التعليم. ففي نطاق العاصمة كابول وحدها قيل أن 106.256 شابة و 184.223 شابا قد تأثروا بقرار منع التعليم وتداعياته كإغلاق المدارس وهجرة المدرسين، دعك من فقدان أكثر من 8000 خريجة جامعية وأكثر من 7700 مدرسة جامعية لوظائفهن.

مدارس سرية

ورغم معرفتهم المسبقة بمدى رعونة وتشدد الطالبيين في تطبيق عقوباتهم بحق المخالفين، فان أعدادا معتبرة من رجال ونساء البلاد آلوا على أنفسهم المجازفة بإدارة مدارس سرية أو بإرسال أبنائهم وبناتهم إلى تلك المدارس، الأمر الذي جن معه جنون الطالبانيين.

بخت زيبا، أولى ضحايا طالبان باكستان

اليوم يتكرر هذا المشهد بحذافيره أو على الأقل شيء منه في مناطق لا تملك فيها الحكومة الباكستانية تواجدا أو سيطرة، بحيث باتت مشاركة المرأة كقوة عمل، وتحديدا في قطاع التعليم النسوي – سواء كمعلمات أو طالبات – أمرا نادرا. كيف لا ورموز الفصيل الباكستاني من حركة طالبان قد هددوا كل من تذهب إلى المدرسة أو لا ترتدي حجابا بحرق وجهها بالأحماض الكاوية، بل كيف لا وهذا الفصيل الذي يقوده المدعو مولانا فضل الله – المعروف أيضا باسم الملا راديو لأنه يدير محطة راديو اف ام غير شرعية يبث من خلالها تخاريفه - قد نفذ فعلا تهديداته منذ أكتوبر 2007 بحق نحو مائة فتاة أو سيدة باكستانية من اللواتي امتلكن شجاعة المطالبة بحقهن في التعليم والتدريس والتصدي لبؤس وجاهلية القرن الحادي والعشرين مثل السيدة " بخت زيبا " التي تعتبر أولى ضحايا حركة طالبان الباكستانية لأنها رفضت تهديدات الأخيرة فما كان منها إلا اغتيالها في منزلها في 25 نوفمبر من العام المنصرم. والحقيقة أن المدعو مولانا فضل الله وجماعته لم يكتفوا بذلك بل تعدوه إلى تفجير أو حرق مدارس البنات على نحو ما حدث أولا في أكتوبر 2008، ثم في الأسبوع الماضي.

أجواء الإرهاب والخوف والهلع

وسواء أكانت هذه الجماعة مسئولة بالفعل عن حوادث حرق مدارس البنات وتشويه وجوه الصبايا بالأحماض، أو كانت تلك الحوادث من تدبير أطراف تبتغي تشويه صورة الجماعة كما يقول أتباعها، فان كل أو بعض الأهداف المتوخاة قد تحقق. إذ قدرت وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة عدد من طلب اللجؤ إلى أفغانستان من سكان المناطق القبلية في شمال باكستان بنحو عشرين ألف شخص منذ بدء الصراعات الداخلية في الأخيرة وبروز جماعة طالبان باكستان. ومن جهة أخرى، أشاع ما ارتكبه الطالبانيون بحق فتيات المدارس بصفة خاصة والنساء بصفة عامة جوا من الإرهاب والخوف والهلع ليس في مناطق سيطرة الحركة وإنما أيضا في امتداداتها الواقعة تحت سيطرة الدولة مثل ناحية " كورز دير". إلى ذلك كانت لتهديدات وفرمانات الحركة في شمال وشمال غرب باكستان أصداء تمثلت في مسارعة كل طالبات المدارس الثانوية إلى ارتداء النقاب وتغطية أجسادهن بالسواد من قمة رؤوسهن إلى أخمص القدمين، بعدما كن على مدى أجيال طويلة يرتدين الزي البنجابي الجميل المحتشحم المكون من سروال وقميص طويلين من قماش الساتان.

راديو فضل الله السري

لكن هذا الزي التقليدي الجميل في عرف مولانا فضل الله وجماعته فسق وفجور، مثله مثل تعليم البنات الذي يعتبره الأخير غير ضروري بدعوى أن أفضل مدرسة للفتاة هي بيتها أما ما يقدم لها في المدارس الرسمية فكله موبقات وتغريب وإفساد وإبعاد عن الدين القويم. وفي السياق ذاته صرحت معلمة باكستانية تدعى فاطمة لوسائل الإعلام المحلية: أن تهديدات فضل الله وبرامجه التعبوية من محطة إذاعته غير الشرعية نجحت في انخفاض عدد الطالبات في المدرسة التي تعمل فيها من 200 إلى 80 طالبة، وذلك بسبب خوف الآباء والأمهات على حياة فلذات أكبادهم مما قد يحدث لهم على أيدي ميليشيات طالبان المجرمين. وتقدر فاطمة عدد طالبات المدارس المنسحبات من التعليم خلال الشهرين الأخيرين من عام 2008 بنحو 8000 طالبة جلهم من قرى مثل إمام ديري، وكوزا باندا، وبارا باندا، كابال، تشار باغ. وتضيف فاطمة أن الطالبانيين بعملهم هذا دقوا المسمار الأخير في نعش حركة دؤوبة تواصلت عبر السنين لإخراج المرأة الباكستانية من الجهل والظلام إلى آفاق النور والتنوير والحداثة.

نكاح نامة

وبطبيعة الحال لم تكن أوضاع تعليم المرأة وعملها مثالية قط في باكستان، ولا سيما في المناطق القبلية مثل وزيرستان وباجور حيث نسبة المتعلمات لا تتجاوز 3 بالمئة من إجمالي الإناث أو مثل إقليم الحدود الشمالية الغربية حيث نسبة الإناث الملتحقات بالمدارس لا تتجاوز 25 بالمئة من السكان. لكنها اليوم وبعدما صعد الطالبانيون إلى مراكز التحكم والسيطرة الفعلية في غياب سلطة الدولة والقانون وأصدروا أوامرهم بمنع التحاق الفتيات بالمدارس وحرق أية مدرسة تخالف التعليمات، صار الوضع أكثر مأساويا وخصوصا للواتي لا مصادر دخل لديهن ويحتاجون للخروج من المنزل للبحث عن عمل أو أولئك اللواتي فقدن محارمهن في الحروب ويضطررن للخروج بمفردهن أو برفقة قريب غير محرم. إذ كثيرا - ومثلما كان يحدث في أفغانستان تحت الحكم الطالباني - تفاجيء المرأة ومن معها بعناصر ميليشاوية مسلحة تطالبها بإبراز وثيقة الزواج أو ما يعرف بالأفغانية باسم " نكاح نامة "، وآلا كانت العقوبة الجلد أو الرجم بعد محاكمة ارتجالية سريعة يجريها رجال المدعو فضل الله في دوائر خصصت لذلك ولكأنما استقل بدولة.

تزويج الصغيرات بالإكراه

ولعل الأمر الأسوأ والأقبح من كل ما سبق هو ما أوردته بعض الصحف الباكستانية المحلية مثل صحيفة " داون" اليومية واسعة الانتشار على لسان بعض الفتيات الباكستانيات الصغيرات من أن ميليشيات حركة طالبان الباكستانية يجبرون أهاليهن على تزويجهن برجال الحركة دونما أي اكتراث بفارق السن أو القبول والإيجاب كما ينص صحيح الدين. وبحسب الصغيرة سلمى التي لم تكمل المرحلة الابتدائية من تعليمها بعد: أن ميليشيات طالبان باكستان طلبوا من كل العائلات في بيشاور أن يعلنوا في المساجد عن عدد فتياتها اللواتي بلغن الثامنة كي يصار إلى طلب أيديهن من قبل رجال الحركة بالمعروف، وقبل أن تستخدم القوة لإتمام تلك الزيجات.

د. عبدالله المدني
* باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين
تاريخ المادة : 25 يناير 2009
البريد الالكتروني : elmadani@batelco.com.bh



ليست هناك تعليقات: