الخميس، يناير 22، 2009

وحدة وطنية .. تحت أي سقف ؟

د. عدنان بكريه

طالما أكدنا على ضرورة توحيد الصف الوطني الفلسطيني لأن الوحدة سلاح آخر يعزز قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود ويبعث الأمل في نفوس أبنائه .
ونحن اليوم لسنا بصدد تجريم من تسبب بالإخفاقات في المرحلة السابقة ووضع القضية الفلسطينية على شفا الانهيار بل يجب استخلاص العبر مما جرى وعلى كافة الأصعدة بصدد تناول الحالة الفلسطينية ما بعد العدوان على غزة وما هو مطلوب فلسطينيا على المفترق التاريخي الذي نقف عليه !
حرب غزة والصمود الأسطوري لأهلنا هناك ستكون نقطة تحول تاريخية في الصراع العربي الإسرائيلي فلأول مرة ينتصر الفلسطيني على اعتى آلة حرب في الشرق الأوسط وعلى أرضه وصدع الخيارات والبرامج الأخرى التي تتبناها القيادة الفلسطينية وعليه فان ما هو مطلوب فلسطينيا وحتى عربيا استثمار الصمود الفلسطيني لرسم معالم المرحلة المقبلة .
إذا كان المطلب الفلسطيني الملح هو المصالحة وهناك تصريحات من كافة الأطراف على ضرورة المصالحة... فعلينا أن نحدد سقف هذه المصالحة لان الحالة الفلسطينية ليست حالة سهلة وعابرة والخلاف القائم ليس خلافا شخصيا او فصائليا أو قبائليا لكنه خلاف له خلفياته وارتداداته السياسية انه خلاف بين محورين بينهما العديد من نقاط التباين والتي لا يمكن جسرها بلقاءات او مصافحات ولا حتى باتفاقات توقع بل بترجمة الاتفاقات إلى عمل ونهج وخيار مستقبلي لا بديل عنه!
حرب غزة اعادت الكوفية الفلسطينية الى الواجهة واعادت كرامة الشعب الفلسطيني الذي اكتوى بأتون (أوسلو )و(واي ريفر) و(انابوليس ) واسقطت رهانات "سلمية" واحدثت فرزا واضحا في المواقف المبدئية الفلسطينية والعربية
وانتصار الدم الفلسطيني في غزة عزز خيار المقاومة كخيار استراتيجي بديل لكل الخيارات السابقة !
عقد ونيف راهن محور اوسلو على العملية السلمية الكسيحة، فبماذا جاءت العملية السلمية غير المزيد من الاستيطان والمستوطنات .. المزيد من البطش والقتل والحصار والمزيد من الإذلال للقيادة وللشعب واشدد القيادة .. هل يستطيع الرئيس (عباس) مغادرة كانتون الضفة دون تصريح من إسرائيل ؟وهل يستطيع التنقل بين المدن الفلسطينية دون إذن من إسرائيل ؟إذا عن أي دولة وسلطة نتحدث ويتحدث الكثيرون ؟ وما هي الحاجة لسلطة دون صلاحيات لا بل إن بعض رموز السلطة تحولوا إلى (روابط قرى ) على نمط ما إقامته إسرائيل في الثمانينات لحراسة امن ومصالح إسرائيل ! ولمن لا يعرف تاريخ روابط القرى التي إقامتها إسرائيل في الثمانينات كبديل لمنظمة التحرير وفشلت بعد أشهر من إعلانها.
إسرائيل لم تستطع تجاوز (م.ت.ف) في الثمانينات ولا في أية مرحلة من التاريخ الفلسطيني لكنها استطاعت أن تلغي دور المنظمة من خلال خلق بديل يتماثل مع سياستها ومصالحها سمّته ( السلطة الوطنية )!
وهنا من حقنا أن نسأل.. سلطة على ماذا ؟!سلطة لقمع الشعب ومظاهراته المعبرة عن التضامن مع أهلنا في غزة ! أم سلطة لحماية امن إسرائيل وحدودها !
الواجب الوطني يحتم حل هذه السلطة وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أن تضم كافة القوى الفلسطينية وتتبنى خيارات إستراتيجية جديدة قادرة على مواجهة التحديات التي تعصف بالشعب الفلسطيني والاهم انتخاب مجلس وطني فلسطيني يكون المرجعية العليا للشعب وللمنظمة نفسها .
لقد بدأ الشعب الفلسطيني مرحلة جديدة من تاريخه المعاصر : مرحلة ما بعد غزة وعليه أن يستثمر انتصار غزة وصمودها لوضع أجندة عمل جديدة تتبناها منظمة التحرير بعد إعادة بنائها وتفعيل دورها فليس من المقبول والمعقول أن يبقى الوضع الفلسطيني يراوح مكانه ويبقى الشعب فريسة للطائرات والقنابل الإسرائيلية ولسياسة المهادنة والتخاذل التي تتهجها السلطة الوطنية !

"إن ما أخشاه ان تباشر السلطة في مباحثاتها مع اسرائيل، المعلقة حالياً بسبب الانتخابات الاسرائيلية، لاجل الوصول الى تسوية لن تتعامل بشكل جدي مع الجوانب المختلفة للقضية، وترضى باستثناء اللاجئين والقدس وتبقي على معظم المستوطنات والمستوطنين، وتقايض الارض وكأنها مسألة عقارات، لا قضية وطنية، وبعيداً عن برنامج الحركة الوطنية ومنظمة التحرير.عندها يجب ان نسأل انفسنا كفلسطينيين: ماذا فعلنا لانقاذ الحركة الوطنية والقضية من ايدي من يدعون الشرعية زوراً؟ هذا سؤال يجب ان يشغلنا، حتى في الظروف العصيبة التي تمر بها غزة، والقضية الوطنية عموماً"
علينا أن لا ندفن رؤوسنا في الرمال كالنعام ونتغاضى عما يجري من تحولات داخل الحركة الوطنية الفلسطينية وفرض خيار المقاومة نفسه كخيار بديل عن كل الخيارات السابقة .
العدوان البربري على غزة احدث تحولات كبيرة في الشارع الفلسطيني والتفافا شعبيا واسعا حول المقاومة ولم يعد الخلاف القائم هو خلاف (حمساوي فتحاوي) كما اسماه البعض بل انه خلاف ثقافي سياسي من الدرجة الأولى .. خلاف بين محور المهادنة الذي ولد من رحم أوسلو وبين محور المقاومة الذي ولد من رحم الشعب واثبت جدارته في هذه المرحلة.
واذا كان محور المهادنة العربي والفلسطيني قد مني بالهزيمة بعد عدوان غزة فان خيار المقاومة انتصر وخرج عملاقا مكتسحا تأييد الشارع الفلسطيني معريا الأنظمة العربية ورموز المراهنين على الحلول الاستسلامية .
معلق الشؤون الفلسطينية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، (روني شاكيد) أكد إن وقف إطلاق النار يكرس بقاء حماس في السلطة في غزة رغماً عن أنف أولمرت وباراك وليفني والرئيسين الفلسطيني محود عباس (ابو مازن) والمصري حسني مبارك.
كل المعطيات ورغم الالم والدمار تسير بصالح الشعب الفلسطيني في التأسيس لمرحلة جديدة مرحلة ما بعد غزة ... تسير بصالح كسب اعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على اسس جديدة وهذا الامر يتطلب تحاور كافة الفصائل الفلسطينية ومراجعة الماضي بكل اخفاقاته .. يتطلب من محور أوسلو أولا التراجع عن السير في حقل مليء بالمصائد والأشواك والعودة إلى خيار الشعب والاهم استثمار الصمود الفلسطيني في غزة والفشل الإسرائيلي للانطلاق نحو صياغة أجندة جديدة تجنب الشعب الفلسطيني حالة الضياع التي يعيشها .
الإسرائيليون يقرون بهزيمتهم العسكرية والأخلاقية وعلى شعبنا أن يستغل هذه الإقرارات لبرمجة تصورات المرحلة القادمة
جاكي كوخي معلق الشؤون العربية في صحيفة «معاريف» إن إسرائيل فشلت في توفير صورة للنصر في معركة غزة، منوهاً الى أن ما تبقى من هذه الحرب هو صور الأطفال والنساء القتلى.
وأضاف «في الأسابيع الثلاثة الأخيرة امتلأت شاشات التلفزيون في ارجاء المعمورة بتوثيق متواصل يومي، لأطفال جرحى وممزقي الاشلاء، لنساء ينزفن ويصرخن بكاء، ورضّع في ثلاجات الموتى.
هذه الصور التي سيتذكرها عشرات الملايين في أنحاء العالم وتخلق لدى المشاهد صورة ملموسة، صلبة، عن تدني حس الجيش الإسرائيلي». وأضاف ان العالم لن يقتنع بأن هذه الحملة جاءت للدفاع عن اطفال المستوطنات في الجنوب قائلاً «إن العالم سيتساءل كيف انطلق الجيش الإسرائيلي للدفاع عن اطفال الجنوب من خلال قتل اطفال غزة
لماذا لا نكون جريئين مثل بعض الكتاب الصهاينة ونشير باصابع الاتهام الى كل من غدر وتخاذل وتهاون فقبل أن نرسم صورة صحيحة للمستقبل علينا أن نرسم الصورة الواقعية للقيادة التي قد تضيع فلسطين بالكامل إذا استمرت بتبني أجندتها السابقة !
لا أبالغ اذا جزمت بان الشعب الفلسطيني يمر بحالة تحول وفرز تاريخي وبشكل تلقائي بعد العدوان على غزة، لكن ما نريده من القيادة ان ترعى هذا التحول وتتماشى معه لا ان تستبسل في إجهاضه وقتله !

الدكتور عدنان بكرية
كاتب من فلسطين ال 48
Dr.adnanb@hotmail.com



ليست هناك تعليقات: