الاثنين، يناير 26، 2009

احتواء غزة بين التدويل وبين التعريب

نقولا ناصر
(الانقسام العربي حول قمة الدوحة الطارئة كان انقساما بين أنصار التدويل وبين دعاة التعريب)

حسب التقارير الإعلامية والتحليلات السياسية كان العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة يستهدف استئصال المقاومة الفلسطينية للاحتلال وتفكيك بناها التحتية فيه باعتباره "كيانا معاديا" لدولة الاحتلال و"كيانا متمردا" على ما يعترف الاحتلال به شرعية وحيدة ممثلة للشعب الفلسطيني لتسليم القطاع "مجردا من السلاح" إلى قوة دولية ترفع فوقه رمزيا علم تلك الشرعية التي "نبذت العنف" و"اعترفت" بدولة الاحتلال واعتمدت "التفاوض" وسيلة وحيدة لحل الصراع معها تطبيقا ل"الاتفاقيات الموقعة" بين الجانبين ، لكي يدوٌل العدوان المسؤولية عن منع أي تمرد فلسطيني على مرجعيات "عملية السلام" الجارية منذ عام 1991 بعد أن فشل تعريب هذه المسؤولية و"فلسطنتها" في إبقاء الحركة الوطنية الفلسطينية تحت السيطرة ، باعتبار "التدويل" هو ضمانة الاحتلال بعد فشل ضمانات كان يعتبرها عربية وفلسطينية .

ومن الواضح أن صمود المقاومة في مواجهة العدوان بالرغم من الثمن الإنساني والمادي الفادح قاد دولة الاحتلال إلى التواضع في أهداف عدوانها للتراجع عن استئصال المقاومة وتجريد القطاع من سلاحه الدفاعي المتواضع للاكتفاء باحتواء المقاومة وسلاحها داخل القطاع ب"ضمانات دولية" هذه المرة بعد فشل ضمانات "شركاء السلام" العرب والفلسطينيين ، وهذا هو المحور الذي يدور حوله الحراك الدبلوماسي والسياسي الحالي لأولئك الشركاء ، بحيث أصبح الهدف الرئيسي للعدوان هو خلق الظروف الملائمة لاستقدام قوات دولية مهمتها الأساسية إغلاق أية منافذ غير محكمة الإغلاق لتعزيز قدراته الوطنية على مقاومة الاحتلال وتعزيز قدراته الإنسانية للصمود في وجه الاحتلال على الحدود العربية – العربية بين مصر وبين قطاع غزة وليس على حدود القطاع مع دولة الاحتلال لحمايته من عدوان الاحتلال المتواصل عليه .

وكانت "مذكرة التفاهم" التي وقعتها وزيرة خارجية دولة الاحتلال تسيبي ليفني مع نظيرتها الأميركية السابقة كوندوليزا رايس قبيل ساعات من انتهاء آخر أيامها في منصبها في التاسع عشر من الشهر الجاري هي عنوان ذاك "التواضع" في أهداف العدوان على غزة بقدر ما كانت من ناحية عنوانا أيضا لفقد ثقة دولة الاحتلال بقدرة التعريب ، المصري والفلسطيني بخاصة ، حتى على ضمان هدفها المتواضع ومن ناحية أخرى عنوانا لاستهتار دولة الاحتلال بشريكي السلام في القاهرة ورام الله حد أن توقع اتفاقا مع دولة أجنبية حول جزء استراتيجي من أراضيهما الوطنية دون مشاورتهما أو في الأقل إشراكهما في ما اتفقا عليه .

وبينما ينتظر الشريك الفلسطيني في السلام بلا حول ولا قوة ما تسفر عنه المتابعة الإسرائيلية الحثيثة لتحويل المذكرة الأميركية الإسرائيلية إلى التزام دولي – دون أي تعليق كون أساطين إعلامه منهمكين في ما هو أهم من ذلك من مواصلة حربهم الإعلامية الكلامية على "الإنقلابيين" المثخنين بجراحهم وجراح الأهل من حولهم جراء العدوان الذين ما زالوا في رأيهم يهددون "مشروعهم الوطني السلمي" – فان الشريك المصري ثار لسيادته الوطنية ضد استهتار شركائه بشراكته ليعلن الرئيس حسني مبارك رفض"أي وجود أو مراقبين أجانب" على أرض مصر باعتبار ذلك "خط أحمر" ويعلن وزير خارجيته أحمد أبو الغيط أن بلاده "غير ملزمة" بالمذكرة وبأنها قادرة على حماية حدودها بنفسها . لكن الشريكين منخرطان في عملية جارية على قدم وساق لتدويل احتواء المقاومة الفلسطينية داخل قطاع غزة التزاما منهما باستحقاقات السلام المعرب والثنائي على حد سواء .

وقد نجحت حكومة دولة الاحتلال في تحويل مذكرة التفاهم الأميركية الإسرائيلية إلى التزام أوروبي بعد اجتماع ليفني مع سبعة وعشرين من نظرائها في الاتحاد الأوروبي في بروكسل الأسبوع الماضي ، ونجحت في انتزاع موافقة الإدارة الأميركية الديموقراطية الجديدة على المذكرة كما اتضح من تصريحات الرئيس باراك اوباما يوم الخميس الماضي على هامش إعلانه تعيين السيناتور السابق جورج ميتشل مبعوثه الخاص للسلام في الشرق الأوسط لكي يواصل استراتيجية سلفه جورج دبليو. بوش بحذافيرها تقريبا وليرش "الملح على جراح" ضحايا العدوان الإسرائيلي على القطاع -- كما قال اسعد أبو خليل أستاذ العلوم السياسية بجامعة ولاية كاليفورنيا -- بقوله إن ميتشل مكلف بتعزيز وقف إطلاق النار في غزة على أساس: "دعوني أكون واضحا: أميركا ملتزمة بأمن إسرائيل . وسوف ندعم دائما حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد أي تهديدات مشروعة" .

ومن أجل ذلك فان الولايات المتحدة سوف تدعم "نظاما موثوقا لمكافحة واعتراض التهريب حتى لا تتمكن حماس من إعادة التسلح" باعتبار ذلك من "التهديدات المشروعة" لأمن دولة الاحتلال لكي يضيف موضحا حتى لا يترك مجالا للتكهنات بانه "يجب على حماس أن تنهي إطلاق صواريخها" وليحث في الوقت نفسه الحكومات العربية على "اتخاذ خطوات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل" على أساس مبادرة السلام العربية دون أي إشارة الى الالتزام الاسرائيلي في المقابل كما تنص المبادرة بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ودون أن ترد كلمة "الاحتلال" الإسرائيلي على لسانه ولو مرة واحدة .

ويبدو أيضا أن حكومة دولة الاحتلال تكاد تنجح في التوصل إلى ترتيبات "امنية" مع مصر على أساس المذكرة الاميركية الإسرائيلية بعد أن أعلنت تقارير الأخبار عن مصادقة هذه الحكومة على ترتيبات كهذه إثر الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى القاهرة الأسبوع الماضي عاموس غلعاد المستشار السياسي لوزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك ، وبالرغم من النفي المصري الرسمي فإن كون تثبيت وقف إطلاق النار كان هو جدول الأعمال الرئيسي لقمة شرم الشيخ الأوروبية التي استضافتها مصر مؤخرا ثم انتقال الزعماء الأوروبيين الذين شاركوا فيها إلى إسرائيل مباشرة قبل أن يوعزوا لوزراء خارجيتهم باعتماد المذكرة عندما استقبلوا نظيرتهم ليفني في بروكسل بعد ذلك لا تترك مجالا للتخمين بأن أي ترتيبات مصرية إسرائيلية أمنية حتى لو كانت "ثنائية" فانها تندرج في اطار الاتفاق الإسرائيلي الأميركي الأوروبي على المذكرة كمرجعية لها ، أي أنها ترتيبات ستجري في إطار "التدويل" الذي تسعى دولة الاحتلال إليه .

وهذا التدويل في حده الأقصى كما تريده حكومة الاحتلال يسعى إلى استقدام قوة دولية "لها أسنان" عسكرية عمادها أميركي وحلف الناتو إطارها على أرض القطاع وفي حده الأدنى إلى التزامات مصرية على الحدود مع غزة وفي عمق سيناء مسنودة بقوة دولية بحرية قبالة شواطئ القطاع وفي الممرات المائية الموصلة إليه بخاصة بين الخليج العربي وسواحل غزة مرورا ببحر العرب والبحر الأحمر ، وهذه هو جوهر مذكرة التفاهم الإسرائيلية الأميركية ، وقد عرضت فرنسا قوات ، وبريطانيا سفنا ، وألمانيا خبراء وتقنيات لاكتشاف الأنفاق ، وتركيا مراقبين ، وعدة دول أوروبية أجهزة رادار ومراقبين أيضا ، وأميركا خبراء ومجسات متقدمة ومعدات رقابة وإمداد لوجستي وتدريب ، علما بان جنرال الناتو السابق والمستشار الجديد للأمن القومي الأميركي جيمس جونز هو من أقوى أنصار مثل هذا الانتشار الدولي .

لكن استمرار صمود المقاومة الفلسطينية في القطاع ، ومعارضة مصر لأي وجود أجنبي على جانبها من الحدود ، وضعف سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني الذي تفاقم بعد العدوان ، وتردد الامم المتحدة والناتو في أي التزام واسع في الوقت الحاضر ، ورفض واشنطن إرسال قوات أميركية لمهمة كهذه لأسباب ذاتية واقليمية ومحلية في غزة نفسها ، هي وغيرها أسباب تستبعد استقدام قوة دولية مسلحة إلى القطاع في المدى المنظور .

سوابق القمة العربية

والمفارقة أن كل هذا الجهد الدولي الذي يتدخل الآن لفرض الحصار الإسرائيلي بواجهة دولية على المنافذ البرية والبحرية لغزة إلى العالم الخارجي التي لا توجد سيطرة محكمة لدولة الاحتلال عليها كان فاقد الوعي طوال ثلاثة أسابيع من العدوان بالرغم من الحاجة الماسة إلى "تدخل أنساني دولي" يعتبر وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير من دعاته البارزين وهو التدخل الذي سارعت هذه الدول إليه في أفريقيا وآسيا واوروبا لكنها عدمت الحيلة فيه عندما أصبح في مواجهة إسرائيل .

أما المفارقة الثانية فتتمثل في التفكير في استقدام قوة كهذه ليس من أجل حماية الشعب الفلسطيني من الاحتلال في الضفة الغربية ولا من أجل حمايته من العدوان الإسرائيلي عليه في القطاع ولا لفك الحصار عن القطاع ولا لحماية الممر بين القطاع وبين الضفة المنصوص عليه في الاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية الموقعة ولا لحماية المنافذ البحرية إلى غزة في الأقل من أجل إبحار سفن التضامن والإغاثة الإنسانية أليها ومنها ، بل يجري الاستعداد لاستقدامها فقط من أجل إحكام الحصار على قطاع غزة حيث سيطرة الاحتلال غير محكمة !

ربما "يتمنى" المواطن العربي أن تكون قمة جامعة الدول العربية مؤسسة مؤهلة لصنع القرار القومي خصوصا في المفاصل الحاسمة من تاريخ الأمة ، وتاريخ القضية الفلسطينية يمر في مثل هذا المفصل اليوم ، لكنه بالتأكيد لا تساوره أية شكوك حول مؤهلاتها ، نتيجة لتجربته التاريخية المرة مع هذه المؤسسة منذ إنشائها ، حيث درجت على اللجوء إلى التدويل لحل قضايا قومية لا يمكن حلها إلا بالتعريب ، كما هو حال وضع قطاع غزة الآن .

ولذلك فان الآمال الشعبية المعقودة على أي اجتماع قمة عربية ، عادية كانت أم استثنائية طارئة ، لا تتعدى "التمني" على القادة العرب كي يتخذوا موقفا موحدا منسجما مع طموحات شعوبهم الوطنية والقومية بدل أن يستمروا في "تعريب" مواقف "دولية" مصنوعة في الخارج ، غير أن قمة الكويت الأخيرة قد أحبطت هذه الشعوب بقدر ما منحتها قمة غزة في الدوحة أملا لم يطل في أن يتغلب التعريب على التدويل في حل قضاياهم ، فالموقف العربي المسبق الحازم والحاسم ما زال يندرج في باب التمني الشعبي ، مثله مثل الأمل في موقف عربي "موحد" ، كما ثبت بانعقاد ثلاث قمم عربية (قمة الدوحة والخليجية والكويت الاقتصادية) لم تستطع جميعها الاتفاق على كيفية وقف العدوان على غزة ولا اتفقت على موقف يكون له دور فاعل في أي جهد دولي باتجاه وقفه ، لأن الموقف العربي الذي اختار الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي بدل عقد قمة طارئة حول العدوان على غزة لانتزاع قرار دولي بوقف إطلاق النار تبني الدبلوماسية العربية عليه مواقفها حتى في قمة عربية لاحقة ، كما قال أنصار هذا الخيار ، أو هروبا من اضطرار القادة العرب لمواجهة مسؤولياتهم القومية تجاه غزة في قمة يعقدونها لهذا الغرض ، كما قال منتقدوه ، هو موقف كما يبدو لا ثقة له في تعريب المواجهة العربية للعدوان ويعول بدلا من ذلك على التدويل .

وبدا واضحا أن الانقسام العربي حول قمة الدوحة الطارئة كان انقساما بين أنصار التدويل وبين دعاة التعريب ، وقد كشف عجز طرفي الانقسام كليهما عن الفعل ، فالتزامات مصر بموجب معاهدة سلامها مع دولة الاحتلال وكذلك التزامات المملكة العربية السعودية نتيجة تبنيها لمبادرة السلام العربية هي التزامات ما زالت تبدو لصانعي القرار في البلدين أقوى من ثقتهما في قدرة أي إجماع أو شبه عربي على تحمل عواقب مطالبتهما بالتخلي عن هذه الالتزامات أو بتعليقها أو حتى بالتهديد بذلك ، كما تبدو دول الطرف الآخر من الانقسام العربي مرتهنة ، خارج الإجماع العربي ، لموافقة "المعسكر" الآخر لأسباب عملية غنية عن البيان في مطالبتها بالتعريب بدل التدويل لدعم المقاومة الفلسطينية سياسيا أو لوجستيا في القطاع خصوصا وان مبادراتها المقترحة ، مثل تعليق أو إلغاء مبادرة السلام العربية وإلغاء معاهدتي السلام المصرية والأردنية ، في الحد الأقصى ، وإغلاق السفارات وقطع العلاقات الدبلوماسية (موريتانيا) والتجارية (قطر مثلا) ووقف المفاوضات وقطع الاتصالات (الرئاسة وسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية) ، في الحد الأدنى ، لا ترتب عليها أي التزامات مماثلة ، بالرغم من مبادرة سوريا إلى تعليق المفاوضات غير المباشرة بواسطة تركيا مع إسرائيل وقطع العلاقات الدبلوماسية الموريتانية الإسرائيلية وإغلاق قطر لمكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي فيها لاحقا .

ومما لا شك فيه أن الوطن العربي المجزأ هو جزء لا يتجزأ من العالم المعاصر ولا يمكنه أن يعيش في معزل عنه متجاهلا المصالح الدولية الضخمة فيه ، ولا شك أيضا في أن هذه المصالح الدولية نافذة في الوطن العربي ومؤثرة في صنع القرار الدولي ، لكن كل ذلك لا يسوغ إخلاء الساحة العربية تماما لهذه المصالح والتنازل تماما عن دور عربي تشير كل المعطيات الواقعية إلى انه دور ممكن .

كما أصبح التدويل بدل التعريب تقليدا لصانع القرار العربي ، فالصومال العضو في جامعة الدول العربية ، باعتباره المثال الأحدث ، قد ترك شانه لتقرره قوى دولية عالمية واقليمية غير عربية ، وقبل ذلك عندما انفجرت الأزمة العراقية الكويتية عام 1990 لم تجد الدبلوماسية العربية في التعريب حلا كان مجربا بنجاح في حل هذه الأزمة عندما انفجرت في ستينات القرن العشرين الماضي واختارت بدلا من ذلك التدويل الذي ما زالت جميع الأطراف العربية المعنية تدفع ثمنا فادحا له من سياداتها الوطنية ودماء أبنائها .

ومثلما كان التنازل عن التعريب لصالح التدويل مسؤولا عن تمهيد الطريق لغزو العراق واحتلاله وبالتالي للدور الإيراني الراهن فيه فان الهروب من التعريب إلى التدويل ما زال هو المسؤول عن استمرار المحنة العراقية وعن دور إيران فيها وهو الدور الذي يسعى أنصار التدويل العرب الآن مجددا إلى التدويل لاحتواء النتائج المتفاقمة الناجمة عن استنكافهم عن احتوائها بالتعريب .

وها هو التدويل في دارفور يهدد بعواقب وخيمة مماثلة ، بينما قضية الصحراء العربية "المغاربية" ما زالت أسيرة إصرار الأطراف العربية المعنية على تدويل البحث عن حل لها إصرارا قاد إلى وضع مستقبل الاتحاد المغاربي في ثلاجة جمدته عمليا بحيث لم يعد قادرا لا على النمو ولا حتى على الموت كما قاد إلى إغلاق الحدود الجزائرية المغربية ليتحول إغلاقها إلى مشكلة عربية جديدة مستعصية ربما يجري البحث عن حل لها في التدويل أيضا ليتفاقم استعصاؤها أكثر ، الخ ، بينما يمتلك العرب في "الحل العربي" للازمة اللبنانية التي نجمت عن العدوان الإسرائيلي عام 2006 نموذجا ناجحا جديدا قابلا للقياس عليه .

ويبدو أن عرب فلسطين في قطاع غزة هم الضحايا الجدد لتعطيل تعريب المواجهة للعدوان والبحث عن مواجهة بديلة في التدويل اعتمادا على قوى هي إما شريكة في العدوان مثل الولايات المتحدة الأميركية ، أو متواطئة مع العدوان ودولته وأهدافها منه بدليل تبنيها لأجندته السياسية والعسكرية ، والأمثلة الاوروبية على هذا التواطؤ كثيرة ، أو هي قوى عاجزة عن التأثير مثل روسيا والصين ويكمن في صلب عجزها غياب التعريب نفسه كموقف يمكنها الاصطفاف إلى جانبه ومساندته ، إذ لعرب فلسطين في القطاع سوابق من هذا التقليد العربي البائس الذي ما زال يتفرج على التدويل وهو يعيث قتلا وخرابا وتدميرا أميركيا في العراق منذ ما يقارب ست سنوات .

فهذا التقليد الذي لا يجد ضيرا في استمرار انتهاك حرمة عاصمة عربية وإسلامية عريقة مثل بغداد لم يكن متوقعا منه غير هذا الموقف بعد سابقة تساهله مع الحصار الإسرائيلي لعاصمة عربية أخرى هي بيروت لمدة ثلاثة أشهر دون أن يحرك ساكنا أوائل ثمانينات القرن الماضي ، وقد أسس لهذا التقليد "التعايش" حد إبرام معاهدات سلام وتبادل ممثليات تجارية وإجراء اتصالات سرية وعلنية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي طوال أكثر من ستين عاما بينما يجري على قدم وساق تهويد حاضرة عربية وإسلامية مثل القدس ، فهل من المتوقع أن يهب التعريب لنجدة غزة بعد مسيرة طويلة كهذه مع تجربة التدويل التي لم يستفد أحد منها غير بعض أنظمة التجزئة العربية دون أي ضمانة بان لا تكون هي نفسها ضحية للتدويل مثلها مثل الأنظمة التي فضلت التعريب عليه !

*كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*

ليست هناك تعليقات: