الخميس، يناير 22، 2009

اعمار غزة آلية جديدة لحصارها

نقولا ناصر

تحول اعمار قطاع غزة الى احدث سلاح لمواصلة فرض الحصار عليه ، اذ ان دولة الاحتلال الاسرائيلي والولايات المتحدة الاميركية التي دعمت العدوان والاتحاد الاوروبي الذي لم يفعل شيئا لوقفه ، تواطؤا ، ترتهن عملية اعادة الاعمار لتوفر "شريك سلام" لهم جميعا في القطاع ، بينما ارتهنت قمة الكويت العربية هذه العملية للمصالحة الفلسطينية ، في الوقت الذي تحرض حكومة سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية هذه الاطراف جميعها وغيرها على اعتمادها هي فقط قناة وحيدة لتمويل العملية وادارتها باعتبارها حكومة منظمة التحرير الفلسطينية التي تعترف بها هذه الاطراف الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، مما يعني عمليا تجميد أي عملية لاعادة الاعمار وتحويلها الى احدث سلاح في جعبة "شركاء السلام" هؤلاء كافة لكي يفرضوا على المقاومة ما عجزوا عن انتزاعه منها بعدوان الاسابيع الثلاثة وبالحصار الذي سبقه .

وقد قررت حكومة دولة الاحتلال الاسرائيلي ان تمارس سيطرة تامة على عملية اعادة الاعمار لذلك واصلت حصارها المحكم للقطاع ومعابره بعد وقف اطلاق النار الذي اعلنته "من جانب واحد" حتى لا تضطر الى وقفه طبقا لاي اتفاق في اطار المبادرة المصرية او غيرها ربما كان سيلزمها برفع الحصار ولو جزئيا لتسهيل عملية الاعمار في الاقل لاسباب انسانية ، وهي تسعى ايضا للحصول على "ضمانات" من غير الاطراف التي ارتهنت العملية لوجود "شريك سلام" فلسطيني في القطاع ، مثل وكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا" ، وقد نسبت رويترز في التاسع عشر من الشهر الجاري لدبلوماسيين غربيين قولهم ان اسرائيل طلبت من الامم المتحدة وغيرها تقديم كشوفات تفصيلية بالسلع والمعدات والعاملين الذين تنوي ادخالهم الى القطاع سواء للاغاثة الانسانية السريعة او للاعمار واعلنت عزمها مراقبة العملية عن كثب بطلبها الحصول على موافقتها المسبقة على كل مشروع على حدة مع تعهد من اصحاب هذه المشاريع بان لا تستفيد منها حركة حماس او حكومتها في غزة او تنسب الفضل فيها اليها ، وقد عين ايهود اولمرت رئيس وزراء دولة الاحتلال وزير الرعاية الاجتماعية اسحق هيرتزوغ منسقا لكل جهود اعادة اعمار غزة مع الهيئات الدولية .

وموقف الولايات المتحدة متطابق مع الموقف الاسرائيلي لكنه اوضح منه في الاصرار على استخدام عملية اعمار ما بعد العدوان في غزة لمساعدة سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية في اعادة تاكيد وجودها ونفوذها في القطاع ، ويوافق الاتحاد الاوروبي على ذلك علنا ، اذ اعلنت مفوضته للعلاقات الخارجية بنيتا فيريرو – والدنر بان الاتحاد لن يساهم في اعادة الاعمار الا اذا توفر في القطاع شريك سلام "قابل للحياة" وبان المعونات الاوروبية للاعمار لن تكون متاحة لحكومة تقودها حماس ، ونسبت رويترز في الثالث عشر من الشهر الجاري الى دبلوماسي اوروبي رفيع المستوى تعليقا على ذلك بقوله ان هذا الموقف هو "وصفة للفشل منذ البداية ، ولنكن واقعيين ، فلكي تكون السلطة الفلسطينية مسؤولة فانها يجب ان تكون موجودة ولها مؤسسات على الارض ، وفي الوقت الحاضر لا وجود لشيء من ذلك" .

ومن الواضح تماما ان تل ابيب وواشنطن وبروكسل تجد في موقف سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية وحكومتها الحجة الاقوى لدعم الحظر الجديد الذي تفرضه على اعمار قطاع غزة بينما تجد حكومة دولة العدوان في هذا الموقف الضمانة الاهم بين "الضمانات" التي تطلبها لتسهيل احكام سيطرتها على عملية اعادة الاعمار ، والخشية الآن هي ان يستخدم الاحتلال الاسرائيلي والقوى الدولية التي مدت في عمره منذ عام 1967 حتى الآن واجهة فلسطينية وغطاء عربيا لتكرار تجربة تاجيل اعادة اعمار العراق بعد العدوان الثلاثيني عليه عام 1991 الذي دمر بنيته التحتية وعطل التنمية فيه تمهيدا لتغيير النظام الوطني الحاكم فيه بالغزو المباشر عام 2003 لكي يستمر منع اعمار القطاع حتى يتم تغيير النظام فيه ايضا بهذه الوسيلة او تلك ، وربما تكون او لا تكون مصادفة ان العدوان الاسرائيلي على غزة انتهى في نفس التاريخ تقريبا الذي بدا فيه ذاك العدوان على العراق قبل ثمانية عشر عاما ، لكن بقاء البنية التحتية للعراق حتى بعد مضي ست سنوات تقريبا على "تغيير النظام" فيه اسوأ مما كانت عليه في عهد النظام السابق لا يبشر باي خير ياتي من أي تغيير مماثل للنظام في غزة طالما ان عملية اعادة الاعمار منوطة بالقوتين القائمتين بالاحتلال في العراق وفلسطين او بوكلاء محليين لهما .

والا ما معنى ان يطالب الرئيس المنتخب حديثا لدولة فلسطين ورئيس سلطة الحكم الذاتي المنتهية ولايته محمود عباس قمة جامعة الدول العربية التي اختتمت اعمالها في الكويت في العشرين من الشهر الجاري وكذلك رئيس البنك الدولي روبرت زوليك الذي اجتمع معه على هامش القمة في العاصمة الكويتية باعتماد "السلطة الوطنية الفلسطينية" ومؤسساتها من اجل "اعادة الاعمار والبناء" في القطاع ، ورفضه آلية اقترحها الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون وزعماء غربيون بانشاء لجنة دولية مؤقتة تتولى تمويل وتنظيم المعونات المخصصة لاعادة الاعمار ، بحجة ان مثل هذه الآلية "تفترض ان الانفصال بين غزة والضفة الغربية سيستمر" ، كما قال رئيس حكومة تسيير اعمال السلطة سلام فياض مضيفا ان المانحين الدوليين الحريصين على اعادة بناء القطاع "يخاطرون بتعميق الانقسام الفلسطيني من خلال تجاهل دور السلطة" ليخلص الى الموافقة على آلية كهذه "للحاجات الانسانية العاجلة" لكن ليس للمعونات الخاصة بالاعمار .

ان موقف السلطة هذا يحكم مسبقا على التعهدات العربية في قمة الكويت وكذلك على أي تعهدات محتملة في مؤتمر دولي للمانحين لاعمار غزة ، تتصدر مصر وتؤيدها السلطة في الدعوة اليه وقد دعت اليه فعلا الرئاسة التشيكية الدورية للاتحاد الاوروبي ، بان تظل مجرد تعهدات او بان توضع في حساب مجمد ان تم الوفاء بها بانتظار ان يصل "شريك سلام قابل للحياة" فلسطيني الى القطاع كما قالت فيريرو – والدنر .

لقد اتفقت قمة الكويت العربية على اهمية عملية اعادة اعمار غزة من حيث المبدأ لكنها فشلت في الاتفاق على آلية لذلك ، اذ احبط الاختلاف بين القادة اقتراحا بانشاء صندوق لاعادة بناء غزة ، والقمة اذ ارتهنت عملية الاعمار للمصالحة الفلسطينية فانها رحلت الاتفاق على هذه المصالحة الى وزراء الخارجية العرب دون الاتفاق على تحديد موعد او مكان اجتماعهم لبحثها ، تاركين بذلك سؤالا استنكاريا معلقا في الهواء حول متى وكيف يمكن للوزراء ان يتفقوا على ما اتفق قادتهم على عجزهم عن الاتفاق عليه في القمة !

وعملية الترحيل هذه في حد ذاتها تعد بان يتحول التعهد باعمار غزة ، من حيث هذه البداية التسويفية في الاقل ، الى مجرد تعهد لا يساوي الحبر الذي كتبت به البيانات عنه ، مثل بقية قرارات القمم العربية التي سرعان ما ينساها متخذوها مثل القرار الذي اتخذته القمة العربية الطارئة بالقاهرة في الشهر العاشر من عام الفين بانشاء "صندوق الاقصى والقدس" باعادة بناء البنى التحتية الفلسطينية وبخاصة في قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والاعمار ، فقد نسي القادة العرب الذين اجتمعوا في الكويت هذا القرار الذي اعتمد صندوق الاقصى والقدس كآلية لم تحصر الانفاق بالسلطة الفلسطينية بل اعتمدت ايضا الاونروا والهلالين الاحمر المصري والقطري والهيئة الخيرية الهاشمية الاردنية وبرنامج الخليج العربي لوكالات الامم المتحدة وغير ذلك من الهيئات الاقليمية والدولية ، وربما نسوا كذلك انه عند اتخاذ ذلك القرار لم تكن هناك "مشكلة" حركة حماس التي يتخذ منها من لا يريدون اعمار الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 لا في القطاع ولا في الضفة قميص عثمان حاليا ، ولا يسع المراقب الا ان يتساءل عن الاسباب الحقيقية الكامنة وراء عدم اعتماد هذه الآلية في قمة الكويت وهي قرار لقمة عربية سابقة .

ومن الواضح ان السبب الرئيسي في ذلك يكمن في تسييس مهمة انسانية ملحة تقتضي فصلها تماما عن أي شد وجذب سياسي بين الفلسطينيين او بين العرب او بين القوى الخارجية ذات الصلة وذات الصوت المرتفع حتى يكاد يصم الآذان في كل ما يتعلق بحقوق الانسان ، فهذه المهمة الانسانية لا تحتمل أي جدل سياسي ولا أي تاجيل ، فقد دمر العدوان كل البنى التحتية المدنية للسلطة ، اية سلطة ، بذريعة انها قواعد لسلطة حماس ، والقسم الاعظم منها مبني باموال دافعي الضرائب في الدول المانحة الحالية او اللاحقة ، ودمر احياء سكنية بكاملها شملت حوالي عشرين الف منزل اربعة آلاف منها دمرت بالكامل والبقية لحقت بها اضرار فادحة مما قاد الى تشريد حوالي مائة الف نسمة بحاجة ماسة الى مأوى ويؤويهم حاليا اثنا عشر ملاذا فتحتها الاونروا لهم في مدارسها التي طالها العدوان بدورها بحيث تحتاج هذه الملاذات نفسها الى اعادة اعمار ، اضافة الى استصلاح الاراضي الزراعية المتضررة ، وتزويد نصف مليون فلسطيني بمياه صالحة للشرب منهم ستون بالمائة من سكان مدينة غزة وعدد مماثل بالكهرباء التي قطعها العدوان عنهم ، ناهيك عن ثمانين بالمائة من سكان القطاع بحاجة الى اغاثة غذائية عاجلة (وهذه الارقام طبقا لتقديرات الامم المتحدة) ، فاي جدل سياسي يسوغ تاجيل الاغاثة العاجلة هو بالتاكيد جدل عقيم وساقط اخلاقيا وانسانيا .

ان القائمة الاسرائيلية ب"المواد الممنوعة" حتى قبل العدوان تشمل مثلا الحديد والفولاذ والاسمنت التي اصبح ادخالها بعد العدوان شرطا حيويا للاغاثة الانسانية وللاعمار على حد سواء ، وقد ادرك رئيس مفوضية الأمم المتحدة للشؤون الانسانية جون هولمز هذه الحقيقة عندما قال يوم الثلاثاء إنه ما لم تسمح اسرائيل بدخول مواد البناء فانه لن يمكن البدء في اعادة البناء ، وبالتالي فان اعتماد السلطة قناة وحيدة لاعمار غزة يعني عمليا توكيل دولة الاحتلال نفسها التي دمرت القطاع في المقام الاول بهذه المسؤولية ، ويصعب على المراقب ان يتوقع ان تكون السلطة الخاضعة للاحتلال في كل صغيرة وكبيرة قادرة على العمل باستقلالية وكفاءة لادارة عملية الاعمار بالريموت كونترول من رام الله ناهيك عن ايصال تمويلها دون موافقة اسرائيلية مسبقة ، في وقت احتج الرئيس عباس بصعوبة الحصول على تصريح خروج اسرائيلي سريع لعدم حضور قمة غزة في الدوحة ، كما قال رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني ، وبينما كانت حكومته في رام الله قبل شهرين عاجزة عن ايصال رواتب عدد تقول انه يزيد على سبعين الف موظف سلطة ممن تدفع هذه الرواتب لهم لكي يظلوا في بيوتهم دون عمل في سياق الانقسام الفلسطيني ، ومما له اهمية خاصة في هذا السياق ان رئيس هذه الحكومة فياض يكرر في كل مناسبة ان حوالي نصف ميزانيته مخصص لقطاع غزة الذي ما زال ينتظر وصول هذا النصف اليه باي شكل من الاشكال ، فكيف تؤتمن هذه الحكومة على ايصال أي تمويل تم او سيتم التعهد به لاعمار غزة ؟

لقد فعلت الكويت الصواب بعدم انتظار الاتفاق العربي على آلية لاعمار غزة بتبرعها بمبلغ (34) مليون دولار للاونروا مباشرة ، ومثل الكويت اللجنة الادارية لصندوق الاقصى والقدس ، ومثلهما النرويج التي تبرعت بعشرين مليون كرونا لمنظمات في وسعها الوصول الى المدنيين في القطاع ومنها الصليب الاحمر الدولي ، فهذه قدوة حسنة تؤكد وجود قنوات عملية مجدية لتلبية حاجة القطاع الى الاغاثة العاجلة الملحة ، اذ لا يجب باية حجة ارتهان هذه الاغاثة اوعملية اعادة الاعمار لاصرار "شركاء السلام" على وصول شريكهم الفلسطيني الى غزة الذي اكد وزير خارجيته رياض المالكي في قمة الكويت على "الحاجة الى التنسيق مع السلطة الوطنية في كل المجالات" قبل المباشرة في عملية الاغاثة والاعمار ، فهذه عمليا ستكون وصفة مؤكدة لارتهان هذه العملية لدولة الاحتلال من جهة ولتاجيل هذه العملية الى امد غير منظور من ناحية ثانية ، مما له تفسير واحد وحيد هو تحويل اغاثة غزة واعمارها الى آلية جديدة لمواصلة حصار القطاع المنكوب حتى يرضخ لما رفض الاذعان له بواسطة العدوان العسكري .

*كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com*

ليست هناك تعليقات: