الاثنين، مارس 23، 2009

رسالة من لكع العربي الى لكع الاسرائيلي: انتهى زمن فرفور دمه مغفور

سيد ماجد مجدلاوي

اعترافات الجنود الاسرائيليين عن تصرفات الجيش في حرب غزة ، التي نشرتها صحيفة " هآرتس" العبرية ، وتقرير منظمة " أطباء من أجل حقوق الانسان" ، حول الاعتداءات المتكررة والمقصودة على المراكز الطبية ورجال وطواقم الاسعاف تكشف الجانب المعتم والظلامي من التفكير المنهجي للحركة الصهيونية منذ بداية طريقها ، وهي سياسة يواصلها ويطورها ، كما يبدو واضحا.. قادة دولة اسرائيل ، في ظل غباء عربي اعلامي متجذر ، وعجز ، أو نكوص عن استغلال الصورة المأساوية للواقع المناقض لكل مفاهيم حقوق الانسان في زمن الحرب ، والتي مورست كسياسة مبرمجة في هذه الحرب ، كما يتبين من مصادر مختلفة ، غير فلسطينية وغير عربية بالأساس.
من جهة الأنظمة العربية ، هذا مريح للابتعاد تماما عن المواجهة ،حتى السياسية مع اسرائيل .. مستفيدين ، مثل اسرائيل ... من التغطية الممتازة التي يوفرها ادعاء "الانتصار الحمساوي" في هولوكوست غزة ، للممارسات المحظورة دوليا التي مورست في هذه الحرب . فهل حقا يتعرض المنتصر لجرائم حرب ؟ وهل يجوز للمذبوحين من الوريد الى الوريد ، اظهارها في خلفية مهرجانات انتصاراتهم الألهية ؟ وأين يخفون فرحهم بانتصارهم الالهي الرباني .. وهل رعاية الهية ربانية للنصر تسمح بارتكاب الجرائم ضد رجال الله ..؟ ام ينزل الله الصواعق على الأعداء .. ويذيقهم العذاب والدمار ؟!
كنت أتوقع تخفيف غلواء الادعاء حول النصر ، وابراز عمق الجريمة ضد الشعب الفلسطيني في غزة.. للأسف نهج حماس الانتصاري يتناقض مع عمق جريمة الحرب التي ارتكبت في غزة. حتى الاعلان عن ولادة 2700 طفل خلال مذبحة ال 22 يوم في غزة ، افتخارا بأن نساء غزة يعوضون الشهداء بجيل جديد ، كان في قمة الغباء السياسي والانساني ، واستهتارا بأرواح المواطنين ، واعتبارهم مجرد أرقام يجري تعويضها. فأين جريمة الحرب اذن يا قادة حماس؟
هذا جانب . والجانب الثاني يتعلق بشهادات جنود اسرائيليين مذهلة على عمق الجريمة التي ارتكبت في غزة . والتي "اضطرت" المدعي العسكري للجيش الاسرائيلي الى فتح تحقيق في شهادات الجنود ... تماما كما فتح "تحقيقاا" سابقا في جريمة مقتل الفتى الفلسطيني محمد الدرة ، كما نتوقع نتائجها !! ولكن الجمعيات الدولية وعلى رأسها " أطباء من أجل حقوق الانسان " أعلنت بوضوح ان التحقيق يجب ان يجريه طرف حيادي.
من الواضح ان المنظمات الدولية ودول العالم المختلفة لم تلتزم بانتصارات حماس ولا تأخذها بعين الاعتبار ، والا ما ضرورة الدعم المادي الواسع لاعادة الاعمار ما دمنا "انتصرنا" ؟ .. وربما منهج فضح جرائم الحرب التي ارتكبت في غزة ، سيجعل من ادعاء حماس الانتصار ، مهزله قد تنسف هذه العقلية الانتصارية مع سبق الاصرار والترصد . فهل تحتاجها حماس في هذا الوقت ؟!
هذه الحرب طرحت بقوة لا سابق لها عبث الحديث عن طهارة السلاح للجيش الاسرائيلي ، وباتت تلك الصياغة أقرب للدعارة السياسية والعسكرية والاثنية في التعامل مع الشعب الفلسطيني أوالشعوب العربية الأخرى . وان ارتكاب الجرائم هو نهج سياسي وعقائدي ، قبل ان يكون تصرفا عسكريا اجراميا.
قرأت كتاب "التطهير العرقي في فلسطين" للمؤرخ اليهودي ايلان بابه الذي حافظ على ضميره الانساني ومصداقيته العلمية ، وفضح بالوثائق والوقائع ، ما ارتكبته الحركة الصهيونية من تطهير عرقي ضد الشعب الفلسطيني مبينا ان التطهير العرقي بدأ قبل حرب العام 1948 . وتشكل هذه الدراسة مرجعا تاريخيا وقانونيا ضد الرواية المشوهة التي اعتمدتها اسرائيل عما تسميه "حرب الاستقلال". يضاف ذلك الى ما فضحه المؤرخ الإسرائيلي تيدي كاتس عن التطهير العرقي الذي ارتكبه لواء اسكندروني اليهودي في حرب العام 1948 ضد سكان بلدة الطنطورة الفلسطينية. والجرائم الموثقة كثيرة .. ولكنها تختفي تحت غبار الأرشيفات العربية.
بالطبع لا أقبل على نفسي اتهام الشعب اليهودي بجرائم قادته وتحميله مسؤوليتها. ونعرف ان أصحاب الضمير اليهود كانوا على رأس من أدان وفضح الممارسات الاجرامية للحركة الصهيونية.. التي تصب في خانة جرائم حرب ، منذ انطلاقتها في مشروعها القومي في فلسطين.
نقدنا الحاد ينبع من رؤية سياسية تأخذ بعين الاعتبار شكل المستقبل الذي نريده لشعبي هذه البلاد ، العرب الفلسطينيين بشقيهما داخل وخارج اسرائيل ، واليهود الاسرائيليين .
لسنا دعاة انتقام على جرائم ارتكبت وترتكب باستمرار .. ولا تخجل عتاة مجرمي الحروب في تاريخ البشرية.
الانتقام ليس حلا. ولن نقبل ان تجرنا جرائم أي كان الى بلقنة الشرق الأوسط وتحويله الى مقبرة لشعوبه عبر المذابح الاثنية المتبادلة .
من هنا خطر ما ارتكب في غزة!!
ليس هذا فكرنا وليس هذا نهجنا. ولن نسمح للمجرمين ان يخرجونا من انسانيتنا رغم الألم الكبير في نفوسنا.
نحن طلاب حق ولسنا طلاب قتل ودمار وانتقام .
المجرمون القتلة يجب ان يقفوا امام العدالة الدولية .. هي الألية الوحيدة التي من المفروض ان تحاسبهم عاجلا ام آجلا.. ان كانوا أحياء أو أمواتا..
لا بد من اعادة صياغة تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بكل حراجته وبشاعته وتفاصيله . أيضا ليعرف ابناء الشعب اليهودي الحقيقة المرعبة التي جرها ويجرهم اليها قادتهم.. تحت شعارات قومية ودينية مضللة.الباحثون اليهود المخلصون للحقيقة التاريخية ، ولشرفهم المهني والانساني ، لم يترددوا في فضح تفاصيل مثيرة ومذهلة من الفكر الاثني الذي وجه سياسات وقادة دولة اسرائيل في تعاملهم مع الشعب الفلسطيني.
في هذه المناسبة أشير الى مؤلفات هامة للباحث في الجامعة العبرية في القدس الدكتور هيلل كوهن في كتابين مثيرين أصدرهما " عرب صالحون " – تُرجم للعربية . وكتاب "جيش الظلال " – تحت الترجمة كما علمت . والكتابان وثيقتان هامتان لقراءة تاريخ العلاقات ، والنهج ، ومحركات الحركة الصهيونية ونظام الحكم في اسرائيل ، في علاقتهم مع العرب الفلسطينيين قبل النكبة وبعدها.
لست ضد حق الشعب اليهودي بوطن قومي. ولكني لست من أجل حق قومي يهودي ينفي حق قومي لشعبي الفلسطيني.
أعرف ان التاريخ في حركة دائمة للأمام ، وان الوقائع التاريخية لا يمكن نفيها برعونة عاطفية وعصبية .. حتى لو لم تتلائم مع تطلعاتنا وتشكل طعنة لاتساع حلمنا الوطني .
في الشرق الأوسط ، وفي فلسطين بالتحديد نشا واقع مركب وصعب . المطروح ليس اعادة التاريخ الى الوراء. هذا مستحيل .. وأتركه للواهمين الذي لم ينجزوا غير المزيد من المآسي.
لا يمكن مناطحة حقائق التاريخ ، وحقائق الجغرافيا، وحقائق السياسية ، وحقائق الاقتصاد ، وحقائق العلوم ، وحقائق التقنية ، وحقائق التطور الاجتماعي ، وحقائق الواقع العسكري ، وحقائق الواقع الدولي وحقائق الواقع العربي .
لا بد من طرح القضية الفلسطينية بعيدا عن مهازل الانتصارات ، وبما يعكس الواقع المأساوي للشعب الفلسطيني في ظل استمرار حرمانه من الحرية وبناء دولته المستقلة ، واستغلال الرواية التي صاغها المؤرخون اليهود المختلفون .
ان المطلب الذي يلقى اذانا صاغية في كل المحافل الدولية ، هو مطلب دولتين لشعبين. وكل المواقف التي تنادي تحرير كامل فلسطين ستبعد الشعب الفلسطيني أكثر عن انجاز حلمه القومي.
لم يجئ مشروع السلام العربي بالصدفة .. بات واضحا ان كل مطلب يزايد على الممكن من وجهة النظر الدولية ، لن يكون الا معوقا ومؤخرا في ايجاد حلول لقضايا فلسطينية ملتهبة وعلى رأسها بناء الدولة الفلسطينية. عجز الدول العربية ترجم لأول مرة بمشروع سلام . والكثير من المراقبين يعرفون ان المشروع يستجيب لجوهر الموقف الاسرائيلي ، وان تأخراسرائيل في قبوله يوازي الجنون السياسي. هذا على الأقل ما عبر عنه الرئيس الأمريكي اوباما قبل انتخابه حين زار رام الله والتقى برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس .
يجب التأكيد ان ما جرى في غزة جريمة حرب ، لم يعد من الممكن التحايل على تفاصيلها بعد ان فضحها جنود شاركوا في تنفيذ اوامر قادتهم ، وتفضحها العديد من المنظمات الدولية ومنظمات الامم المتحدة الناشطة في غزة .. وهذا ما يجب ان يطرح في الخطاب الفلسطيني وليس مهزلة الانتصار.. التي تنفي ضمنيا وجود جريمة حرب.
يجب دعم الخطاب السياسي الوطني للسلطة الفلسطينية ، بصفتها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ، وطريقها هي الطريق السليمة والمنطقية ، في الظروف القائمة ، حتى بعد " الانتصار " الذي لم يغير من واقع الشرعية الفلسطينية عربيا ودوليا وظلت السلطة الفلسطينية معتمدة من مختلف دول العالم كطريق للانقاذ ولفتح الآفاق امام الشعب الفلسطيني واعادة بناء ما دمرته آلة الحرب الاسرائيلية .وفتح آفاق التطور والنهوض الانساني .
ان عصر ارتكاب الجرائم تحت صياغة "طهارة السلاح " و " القيم الأخلاقية لجيشنا " صار دعارة لغوية وبضاعة لا يمكن تسويقها حتى للادارة الأمريكية.
وكما فشلت مهازل لكع بن لكع العربي خلال العقود الستة الماضية ، ستفشل مهازل لكع بن لكع الاسرائيلي ايضا ..!!

saidmajdalawi@gmail.com


ليست هناك تعليقات: