الأحد، مارس 15، 2009

ما انجزه كومار ولم ينجزه عبد الفضيل ـ 1 من 2

د. عبدالله المدني

الذين يتابعون كتاباتي الأسبوعية، ولا سيما تلك المتعلقة منها بشئون شبه القارة الهندية، كثيرا ما يتهمونني بالانحياز إلى جانب الهند على حساب باكستان، بل يتجاوز الأمر أحيانا إلى حد تسميتي بعبدالله كومار، كما يفعل الصديق الدكتور هاشم الباش سفير البحرين السابق في باريس

النموذج الناجح

أما ردي عليهم في اغلب الأحايين فهو أن الإنسان يميل بطبعه إلى النموذج الناجح والقوي وينأى بنفسه عن النموذج الفاشل المتهالك. والهند – على عكس جارتها الباكستانية – أثبتت في مسيرتها الطويلة المضنية منذ استقلالها وتقسيم شبه القارة الهندية في عام 1947 ، ورغم كل ما صادفها من أعباء ومشاكل التنمية ومكافحة الفقر والأمية وتداعيات الكوارث الطبيعية المدمرة، علاوة على المشاكل الأمنية والدفاعية الناجمة عن تهديدات دولتي الجوار القويتين (الصين وباكستان) واختلال ميزان القوى الإقليمي لغير صالحها بسبب نبذها للأحلاف والتكتلات العسكرية الاجنبية وبالتالي التزامها الحذر في سياساتها الخارجية تجاه الأقطاب الدولية مع شيء من الانكفاء داخل تكتلات من صنعها على نحو ما حدث زمن أول رئيس حكوماتها (جواهر لال نهرو) الذي دشن مع الزعيمين المصري جمال عبدالناصر واليوغسلافي جوزيف بروز تيتو وآخرين (كالرئيس الغاني كوامي نكروما والرئيس الاندونيسي احمد سوكارنو) ما عرف بكتلة عدم الانحياز ومبدأ الحياد الايجابي .. أثبتت الهند رغم كل ما سبق ذكره أنها نموذج ناجح بكل المقاييس، ولا سيما في السنوات العشرين الماضية أي منذ أن شهد العالم متغيرات ما بعد الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي. فبدءا من عام 1991 وتحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تأثرت بها الهند من جراء حرب الخليج الثانية وغياب حليفها الاستراتيجي التقليدي ممثلا بالاتحاد السوفيتي، تخلت نيودلهي عن نظام التخطيط المركزي لصالح الليبرالية الاقتصادية، فكان ذلك بمثابة المنعطف الحاسم في تاريخها الحديث، بل الخطوة الجريئة التي حررت طاقات الهنود وإبداعاتهم وأطلقت أياديهم وأفكارهم ومدخراتهم من عقالها.




وهم تفتت الهند وتراجعها

لقد كان مرور 62 عاما على استقلال الهند الذي صادف شهر يناير الماضي فرصة مواتية للدخول في نقاش مع بعض الأصدقاء الذين لا يزالون يعيشون وهم تفتت الهند وسقوطها أو تراجعها بفعل سطوة الاعتبارات الإيديولوجية الدينية على عقولهم فحسب.

دولة المنبوذين والفقراء

نعم! لا تزال في الهند نسبة عالية من الأميين والفقراء، ولا يزال نحو 53 بالمئة من سكانها يعيشون بمعدلات دخول فردية يومية لا تزيد عن دولار طبقا لتقارير الأمم المتحدة، ولا تزال العادات البالية والخرافات والأساطير متفشية في صفوف طبقاتها الاجتماعية، ولا يزال الفساد مصاحبا لممارسات ساستها في الانتخابات ولأعمال أجهزتها البيروقراطية، ولا تزال الهند دولة المنبوذين ونظام التفاوت الطبقي المقيت، بل وأيضا البلاد التي تتفشى فيها حالات من الاحتقانات الطائفية والعنصرية من وقت إلى آخر.

حقائق مذهلة

لكن في مقابل هذا هناك حقائق مذهلة تؤكد بأن الهند تتحرك إلى الأمام بسرعة وتحقق قفزات استثنائية لافتة للنظر في مختلف المجالات، وبما سيساعد مجتمعاتها حتما على الانتقال من حال إلى حال – هذا إن لم يكن ذلك قد حدث فعلا. ففي الوقت الذي تبدو فيه باكستان دولة منبوذة ومتهالكة، بل آيلة للسقوط، كما كان حالها وقت انفصالها عن الهند في عام 1947 ، بفضل ما تشهده ساحتها الداخلية من فوضى وتطاحن قبلي وطائفي أحمق ومهرجانات الاغتيال والتفجيرات الدموية وغير ذلك من العوامل التي جعلتها في مؤخرة الدول لجهة الأمن والاستقرار وفي مقدمة الدول المستجدية للمعونات الاقتصادية الاجنبية، نجد الهند – بفضل نظامها الديمقراطي المسنود بدعامتي العلمانية والفيدرالية – دولة مستقرة وصاعدة بخطوات وثابة. على أن أكثر ما حققته الهند من صعود كان في قطاع تكنولوجيا المعلومات. هذا القطاع الذي حول البلاد من دولة على شفير الإفلاس ومن اقتصاد يترنح بسبب خلو الخزانة العامة من العملات الصعبة إلى اقتصاد قوي ينمو بمعدل يفوق 7 بالمئة سنويا و يمتلك احتياطي من العملات الصعبة يزيد عن 200 بليون دولار.




معدلات نمو تجاوزت 30 بالمئة

وإذا ما تحدثنا حصرا في ما حققه قطاع تكنولوجيا المعلومات من معدلات نمو سنوية، لوجدنا أن الرقم يتجاوز 30 بالمئة، وذلك على الرغم من كل التحديات التي واجهها هذا القطاع وخصوصا حملات الساسة ونقابات العمال في الغرب ضد ظاهرة نقل المؤسسات والشركات الغربية لوظائفها وأعمالها إلى الهند للاستفادة من رخص الأسعار وتدني الأجور في القطاع المذكور مع الحصول على درجة عالية من الجودة في الأداء.

ولعل اكبر دليل على صحة ما نقول هو ما أوردته الصحفية الهندية براكيتي غوبتا في مقال منشور لها من أن قطاع برامج الكومبيوتر الهندية قد نما من 150 مليون دولار في الفترة ما بين 1991 و1992 إلى أكثر من 12 مليار دولار في الوقت الراهن.

وزارة مستقلة لتكنولوجيا المعلومات

وراء هذا النمو المذهل وغير المسبوق وقفت عوامل عديدة، لعل أبرزها: قيام الحكومة بإنشاء وزارة مستقلة لتكنولوجيا المعلومات والتزام الأخيرة بمساعدة شركات المعلومات الصغيرة والمتوسطة كي تتمكن من المنافسة عالميا وتسويق منتجاتها وتقنياتها، الأمر الذي كان له اكبر الأثر في استعانة شركات أمريكية وأوروبية كبرى بخدمات كمبيوترية هندية. إلى ذلك شكلت الوزارة المذكورة فريق عمل قومي لتطوير قطاع تقنية المعلومات وفحص جودة برامجه وتقديم الحوافز المادية للعاملين فيه.

مفتاح الولوج إلى سوق الأعمال

كل هذه العوامل معطوفة على ما تتميز به الهند من وجود قوة عمل مدربة ورخيصة ومتحدثة أو ملمة بالإنجليزية التي هي بمثابة مفتاح الولوج إلى سوق الأعمال، ناهيك عن وجود متخصصين في مجال تقنية المعلومات بعدد يتجاوز الخمس ملايين نسمة ووجود أكثر من 2000 مؤسسة تعليمية ومعهد تكنولوجي لتدريب وتخريج آلاف الأشخاص سنويا، جعلت الهند تتبوأ المكانة الأولى عالميا في صناعة المعلوماتية، بل جعلتها الأولى على مستوى العالم في تصدير برامج الكومبيوتر إلى أمريكا الشمالية التي استوردت 61 بالمئة من صادرات الهند في عام 2008 فحققت نيودلهي من وراء ذلك دخلا وصل إلى 87 مليار دولار.


الرمز الصيني والرمز الهندي

وهكذا يمكن القول انه إذا كان الرمز الصيني للتقدم يكمن في اكتساح الأسواق بما تصنعه بكين وتصدره من ثلاجات وغسالات وتلفزيونات وأجهزة كهربائية منزلية أخرى، بحيث صارت حصتها هو 50 بالمئة من إجمالي أسواق هذه السلع، فان الرمز الهندي للتقدم يكمن في صناعة تكنولوجيا المعلومات وتصديرها وتحولها في وقت قياسي إلى "دماغ للعالم" طبقا لوصف احد المراقبين.

منافسة الصين واليابان وأمريكا

ويرى كثيرون أن بامكان الهند – بفضل ديمقراطيتها واستقرارها وتمكن نسبة كبيرة من مواطنيها من لغة العصر (الإنجليزية)، ثم بفضل تبنيها دون حساسية لنظام وسلوكيات المستعمر البريطاني السابق في مجالات التعليم والتربية والنظام والإدارة والحكم - أن تنافس الصين بل وأيضا اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا إذا ما علمنا أن الفجوة الصناعية الكبيرة التي كانت تفصل ما بين الهند واليابان مثلا لم تعد كما كانت، وان عدد الأثرياء والمستثمرين و أباطرة المال الهنود في ازدياد.

الاعتماد على تصدير الخدمات

ويضيف هؤلاء قائلين: إن الهند - على عكس الصين - لا تعتمد على الصناعة ولا على تصدير السلع ويتقدم اقتصادها بفضل الخدمات وفي طليعتها خدمات تكنولوجيا المعلومات – التي تتخذ من مدينتي حيدر آباد و بنغلور عاصمة لها حيث توجد مقار عشرات الشركات الاجنبية التي استثمرت في هذه الصناعة وعلى رأسها شركة ميكروسوفت وحيث يقيم نحو 400 ألف دماغ متخصص في الكومبيوتر من تلك الأدمغة التي صنعت برنامج الطيران الافتراضي لطائرة الايرباص 380 الأوروبية العملاقة. وتلي خدمات تكنولوجيا المعلومات من حيث الأهمية خدمات الهندسة الوراثية فالخدمات العلاجية والدوائية التي صارت تحتل موقعا متقدما جدا على مستوى العالم.



ميزة وليست نقيصة

وطبقا لهؤلاء فان الفقر المدقع الذي يحاصر نسبة كبيرة من الهنود قد لا تكون نقيصة وإنما ميزة للتنافس طالما أن المعيار الأساسي للمنافسة هو التكلفة. أضف إلى ذلك أن الفقير في الهند هو على النقيض من زميله الفقير في أفريقيا، لأنه على عكس الأخير لا يبقى في مكانه انتظارا للفرج أو الموت جوعا، وإنما يتحرك وينتقل ويبادر ويصارع من اجل إزالة فقره أو تحسين مستواه المعيشي بشتى الوسائل. هذا ناهيك عن أن ما شهدته الهند في السنوات الأخيرة وما تشهده حاليا من حراك يبشر بمستقبل واعد لجهة تحسن دخول المواطنين، وهذا يؤدي بدوره إلى تحسن الإنفاق الداخلي على شراء السلع والمنتجات المصنعة محليا. والاستهلاك الداخلي كما هو معروف من أهم محركات الاقتصاد الدافعة باتجاه النمو.

الصعود في عالم الدواء
حققت الهند ولا تزال تحقق منذ ثلاثة عقود منذ الزمن نجاحات منقطة النظير في صناعة المواد الصيدلانية والمستحضرات الطبية، إلى الدرجة التي تستطيع معها أن تفتخر بنجاحها في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الدواء المعزز بأسعار هي الأرخص في العالم. وكان احد أسباب نجاح الأمة الهندية في هذا الميدان سماحها في الستينات لشركات الأدوية متعددة الجنسيات أن تستوطن في الهند، فكانت تلك العتبة الأولى التي تطورت بعدها صناعة الدواء الهندية إلى صناعة قوية معتمدة على الذات يساندها دعم حكومي قوي على شكل تشريعات مختلفة مثل التشريع الخاص بمراقبة أسعار الأدوية، والتشريع الخاص ببراءات الاكتشافات الصيدلانية الذي يهدف إلى تطوير الصناعة المحلية وتوفير بيئة آمنة لازدهارها. وتستعد صناعة الدواء الهندية اليوم لمواجهة التحديات العالمية المقبلة ممثلة فيما يشهده العالم من إعادة تنظيم هذه الصناعة كي تتوافق مع التطورات التكنولوجية والبنية والحجم وقوى السوق والابتكار والبيئة التجارية العالمية، أو بصيغة أخرى ظهور الكيانات الاندماجية العملاقة في سوق الدواء العالمي. فقريبا مثلا سيتحدث الناس عن صناعة صيدلانية واحدة فقط بمعنى صناعة تقوم بإجراء أبحاثها الأساسية في بلد معين، وتطورها في بلد ثان، وتصنع موادها الخام في بلد ثالث، وتصنع المنتج النهائي في بلد رابع هو الذي يوضع اسمه على المنتج.

ليست هناك تعليقات: