الأربعاء، مايو 09، 2007

الخيار بين السجن في الوطن أوالحرية في المنفى : الانتحار احتراقا


نبيل عودة

انتقدني بعض الأصدقاء على مقالي الذي نشرته قبل اسبوعين تحت عنوان : " الرواية التي لم أكتبها.. عن الدجل القومي والدجالين " ، لأني حسب قولهم لم أبق الحصوة واقول كل ما أعرفه عن حقيقة عزمي بشارة . . انما كتبت بشكل تعميمي غير واضح الا لمن عايش الحدث .
قلت اني أجد صعوبة في نقده تصرفاته وانتحاره السياسي ، حتى لا أبدو متحاملا على شخص ينتحر احتراقا .. لنتركه ينفذ خياره الأخير المؤسف بحق نفسه وأهله ورفاقه وفكره . وبعد لحظة تفكير أضفت اني اوافق ان ظاهرة عزمي تستحق الكتابة المسؤولة والهادئه لفهمها ، بهدف اعادة التوازن السياسي الى ممارساتنا ، وأعترف ان ظاهرة عزمي بدت في وقت ما قادرة على جعل خطاب عزمي السياسي هو الخطاب البارز للجماهير العربية في اسرائيل ، رغم انه لم يكن يعبر عن موقف الأكثرية . وساعد على ذلك ضعف الأحزاب العربية في اسرائيل ، وخاصة الحزب الشيوعي ، الذي بدأ يتلعثم وراء خطاب عزمي ويقلده ، بدل أن يناقشه ويطرح الخطاب الوطني الانساني في الظروف غير العادية ، بل والصعبة .. للجماهير العربية في اسرائيل . ونقاش عزمي ونقد نهجه أصبح عمليا وقفا على عدد صغير من المثقفين العرب داخل اسرائيل ، مما أفرغ الحياة الحزبية العربية داخل اسرائيل من أهم خصائصها ، الحوار والنقد والصراع الفكري والسياسي .
وظلت الفكرة راسخة في ذهني .. من أين أبدأ في مراجعة مسيرة عزمي بشارة ؟ كيف أكتب دون أن اتورط في موقف يفهم كطعن بشخص تتحامل عليه قوى سياسية يمينية متطرفة ومخابراتية داخل اسرائيل ، نرفض ممارساتها ضد الأقلية العربية ، تستغل مواقف عزمي للتحريض على الأقلية العربية أيضا ، ومن المستحيل أن نقبل اسلوبها في طرح قضية عزمي والتحريض عليه وعلى الجماهير العربية .
أعرف عزمي منذ كان طالبا ثانويا ، ومسجلا كعضو في الشبيبة الشيوعية في الناصرة .. وكنت وقتها سكرتيرا للشبيبة الشيوعية ( 1970 – 1973 ).. واستفسرت عن "الرفيق عزمي" الذي لا يظهر ولا يشارك في نشاطات الفرع .. فقيل لي انه في الصف العاشر ، وعندما يصبح في الصف الثاني عشر سيجد الوقت للمشاركة في نشاط الفرع .. وكانت الشبيبة وقتها ترسل كل سنة مجموعة من الطلاب ( 8 – 10 طلاب ) للدراسة في الدول الاشتراكية .. وبالطبع كنا نختار أنشط الرفاق الطلاب للسفر . لم يكن صعبا الربط بين موقف عزمي وسفر الطلاب .. لذلك قررت الغاء عضويته في الشبيبة الشيوعية . وقد يكون انتسب للشبيبة الشيوعية بعد أن أنهيت عملي ( 1973) .. أو انه انضم مباشرة للحزب الشيوعي .
في بيانه الفضفاض سياسيا وفكريا ، بعد هربه .. الذي نشره في صحيفة حزبه " فصل المقال " ادعى عزمي انه أسس وقاد اتحاد الطلاب الثانويين العرب في اسرائيل .. وقد فوجئت من هذا الادعاء .
اتحاد الطلاب الثانويين ، بدأ كحلقة طلاب داخل اطار منظمة الشبيبة الشيوعية في فرع الناصرة منذ العام ( 1971) .. وأنشأنا هذا التنظيم للرد على محاولات "حزب مبام " ( اليوم جزء من تحالف ميرتس اليساري ) اقامة تنظيم " للشبيبة العربية الطلائعية " ( الصهيونية ).. حيث قاموا باتصالات مع الطلاب الثانويين في بعض المدارس الأهلية في الناصرة وغيرها ... ووزعوا مناشير اغراء ، ووصلتنا المعلومات والمناشير عن طريق مجموعة طلاب من أصدقاء الشبيبة الشيوعية في مدارس الناصرة . بدأنا على أثر ذلك بنشاط طلابي واعلامي واسع ، وضممنا عشرات الطلاب الثانويين لصفوف الشبيبة .. وكان الاغراء بالسفر للدراسة في الدول الاشتراكية عاملا هاما ساعدنا في توسيع نشاط الشبيبة الشيوعية الطلابي ... وأقمنا يوما خاصا للطلاب هو يوم الأحد ( أحد يومي العطلة الاسبوعية في المدارس ) قدمنا خلالة محاضرات وندوات فكرية ، ثقافية ، سياسية ، اجتماعية وتاريخية ، الى جانب محاضرات عن الفكر الماركسي .. شارك فيها قادة الحزب الشيوعي وادباء مختلفين .. ثم بدأنا في قيادة الشبيبة الشيوعية بتطوير هذا المشروع ليشمل كل منطقة الناصرة اولا .. ثم قطريا كل الوسط العربي ..
حقا عزمي بشارة انتخب في فترة لاحقة لقيادة الاتحاد ، ولكنه لم يكن مؤسسه ربما أول قائد للتنظيم القطري ، وانتخب بقرار من قيادة الشبيبة الشيوعية والحزب الشيوعي في منطقة الناصرة ، وكان التنظيم الطلابي قد نشط لعدة سنوات في مدينة الناصرة فقط ، وعلى مدار سنتين ، ثم في منطقة الناصرة قبل تحويله الى تنظيم قطري ، لا شك ان عزمي ساهم فيه " بدور هام " .. حيث تلاشى التنظيم واضمحل تدريجيا تحت قيادته !!
الذين اشتغلوا مع عزمي ، يعترفون بذكائه ، ولكنهم ينتقدون عشقه المبالغ فيه لنفسه .بعد ثلاث سنوات من نشاطه السياسي الطلابي الشيوعي في الجامعة العبرية ، حصل على منحة من الحزب الشيوعي الاسرائيلي ، للدراسة في المانيا الدمقراطية ( الشرقية ).
ربما ليس صدفة أن عزمي بشارة اختار موضوع الفلسفة ، الذين يعرفون عزمي يشهدون بان اختياره للفلسفة لم يكن من أجل شهادة أو وظيفة ..
صديق لي من أبرز المفكرين العرب داخل اسرائيل ، يعرف عزمي عن قرب وعبر نشاطات مختلفة ، قال لي ان ذكاء عزمي ، طوال الوقت ، كان انتقاديا ، تحليليا ، كان يسأل كثيرا ، وكانت الأسئلة تقود الى أسئلة اضافية .
عندما انهى عزمي دراسته في المانيا الشرقية ، كان اتجاه الحزب الشيوعي أن يستوعبه في العمل الحزبي باعتباره " مثقفا له مستقبل " . ولكن مشاريعه وتصوراته كانت بعيدة عن العمل الحزبي ، وان الأولوية هي للتدريس الجامعي ، وعمل في جامعة بير زيت و معهد فان لير في القدس كما اذكر .. وربما في جامعات أخرى .. وتدريجيا يمكن القول " بردت " عضويته في الحزب الشيوعي ..
مع تراجع الحزب الشيوعي الاسرائيلي تراجعا حادا ، وانفضاض وجوه بارزه من قيادته وتنظيمه .. أقام عزمي اطار أسماه " ميثاق المساواة ".. هذا الاطار انطفأ بسرعة . بعد ذلك ، في ذكاء تكتيكي عال ، عمل على دخول السياسة البرلمانية ، أولا ضمن قائمة الحزب الشيوعي ( المكان الخامس ) وفي الانتخابات التالية في تحالف مع الدكتور أحمد طيبي ، وبعد النجاح باسبوع حدث الطلاق بين عزمي وأحمد .بعدها دخل عزمي بشارة في تحالف مع قوى "قومية " مختلفة، وأقام حزب " التجمع الوطني الدمقراطي " ونجح بادخال عضوين الى الكنيست ، ثم ثلاثة أعضاء . وهنا ، يمكن القول بدأت مسيرة عزمي بشارة سياسيا مستقلا عن الأحزاب الأخرى .
بدأ عزمي " تنويريا" ، نموذجه التنوير الاوروبي .. وربما يصح القول انه في " ميثاق المساواة " كان أقرب الى فكر"الشيوعية الاوروبية" – الليبرالية الشيوعية – ولكنه موضوع يحتاج الى دراسة حذرة ومتأنية .. وقناعتي ان اتجاه عزمي القومي ، ليس أصيلا .. انما حسابات اقرب للتجارة السياسية !!
وفجأة .. تحول عزمي الى " ناصريا " وصار حزبه يحتفل بثورة 23 يوليو وبذكرى وفاة جمال عبد الناصر .. ثم بدأ يطرح نفسة " قومي فلسطيني " ويعطي الانطباع في مقالاته واحاديثه انه " قومي عربي وحدوي " .
وصار عزمي يتهم الحزب الشيوعي والأحزاب العربية في اسرائيل ب " الأسرلة " .. متناسيا انه هو نفسه ، مع كل تجديد لانتخابه عضوا في للكنيست ، كان يقسم يمين الولاء للدولة العبرية وقوانينها . أي كان اسرائيليا ليس فقط بالهوية الشكلية ، بل بالولاء للقانون الاسرائيلي .. وقيادته لحزب قانوني ... اما في الخارج ، فكان يصف العرب الفلسطينيين مواطني اسرائيل بأنهم " عرب ال 48 " و " عرب الداخل " .. القاموس الذي استعمله عزمي لم يكن من اختراعه اطلاقا ، بل كان ينسخ عن الجبهة الشعبية والجبهة الدمقراطية والبعث السوري وحماس وحزب الله وفتح .. ولم يعد عزمي الذي نعرفه .. صار مهووسا باعتقاد ان الأمة العربية بحاجة الى قائد تاريخي ملهم بعد وفاة عبد الناصر ، وانه هو .. القائد الذي تنتظره الأمة !!
ان " اختراق " عزمي بشارة للعالم العربي ، جعل فئات واسعة من المثقفين العرب تعتبره " تحديا " لاسرائيل ونموذجا متقدما للثورية العربية ونموذجا للمثقف العربي الجديد !!
المفارقة التي تصيب بالذهول كل باحث رصين وموضوعي عندما يدرس مسلك وأدبيات عزمي بشارة ، هي المفارقة بين ابرازه لنفسه قومي عربي فلسطيني دمقراطي ، وبالوقت نفسه يؤيد نظاما دكتاتوريا طائفيا يعتقل الألوف من خيرة المناضلين ، بدون محاكمة ( أو محاكمات قراقوشية ) ، وأقصد النظام البعثي في سوريا .. الذي قام أيضا بسجن برلمانيين منتخبين لأنهما رفضا في وقته تغيير الدستور لتمكين بشار الأسد أن يرث والده في الرئاسة !!
هل هناك مقال واحد أو مقابلة واحدة لعزمي بشارة ، انتقد فيهما الأنظمة العربية على ممارساتها المعادية للدمقراطية ؟ هل يمكن لعزمي بشارة أن يشطب تأييده الحماسي للأنظمة العربية الدموية الدكتاتورية ؟
في آية خانة نضع عزمي بشارة " المناضل " للدمقراطية وحقوق الانسان في اسرائيل ، وهو عربيا حليف وتابع وصنيعة للأنظمة العربية المعادية لحقوق الانسان العربي ؟
أحقا قومي عربي حقيقي يمكن أن يكون متملقا للأنظمة العربية ؟
أحقا مناضل للمساواة ، وبحق .. في اسرائيل ، يمكن أن يسكت على جرائم النظام السوري ضد اخوتنا أبناء الأقلية الكردية في سوريا ؟
ان عزمي بشارة ، في السنوات الأخيرة ، طور خطابا " قوميا " في اسرائيل ، صار معه كل قادة الأحزاب العربية الأخرى " انصار الأسرلة " وأنصار " الاندماج " في الدولة العبرية ، وأحزاب " المطالب الاقتصادية " وأحزاب " المعارضة الموالية " ،، بينما هو ، وهو فقط .. القائد البطل ، وحزبه هو الحزب القومي !
خطاب عزمي كان دائما خطابا استعلائيا ، منفوخا ، مفعما بالاعتزاز الذاتي والغرور من ناحية ، وبالاحتقار والاهانة لكل الحياة السياسية العربية الفلسطينية داخل اسرائيل ، وحسب عزمي ، لم يبدأ الصمود القومي الفلسطيني في اسرائيل الا بعد ظهور الزعيم المنقذ .. المهدي المنتظر .. عزمي بشارة !!
مع ذلك ، ورغم كل شيء .. نحن مع عزمي ضد حكومة اسرائيل ، وضد الشرطة وضد " الشاباك "وضد " الموساد " .. ولكننا نسأل :
عندما حققت الشرطة مع عزمي بشارة مرتين ، كيف سمحت له ان يسافر الى العاصمة الأردنية عمان لقضاء عطلة " عيد الفصح " حسب طلب عزمي نفسه ، وهي تعرف ان ما كشفته من معلومات في تحقيقها معه ، يعني بالتأكيد انه لن يعود ؟!
عزمي وعد بالعودة بعد أربعة أيام .. فلماذا لم يعد الى الآن ؟
لماذا استقال من الكنيست ، في السفارة الاسرائيلية في القاهرة ، مع أن الحصانة البرلمانية تفيده خلال التحقيق معه ، اذا أراد حقا العودة الى اسرائيل ؟
هناك من يقول الآن ان اسرائيل سمحت له بمغادرة البلاد ، وهي واثقة تماما انه لن يعود !!
وحسب ما نشر ، على لسان شخصيات قانونية من حزبه أيضا .. ان التهم تشمل تفاصيل حول " ورطات " مالية وسياسية قد توقعه في مأزق خطير ، بحيث يقضي عشرات السنين في السجن .
كل من يتوقع عودة " البطل " الى الوطن هو ساذج ، أو على الأقل لا يعرف عزمي بشارة اطلاقا على حقيقته الحقيقية !!
الشيخ رائد صلاح قال مخاطبا عزمي بشارة : " السجن في الوطن ، ولا الحرية في المنفى " . الشيخ رائد قال هذا ونفذه ، اما عزمي فمن نوعية مختلفة تماما عن نوعية رائد صلاح .
والسؤال الأهم : هل بامكان مليون وربع فلسطيني أن يهاجروا " أبطالا " ويعشوا في قصور الحكام العرب ؟
أحقا الخيار هو بين الخيانة أو الرحيل ؟
هل شعبنا المتمسك منذ ستين عاما ( منذ النكبة ) ... بالبقاء في وطنه ، هو " مهادن " و " مستسلم "
و" متأسرل " و " خائن " ؟!
أقول بألم .. لم نرد هذا المصير لعزمي بشارة . ولكن لا بد من تلخيص أولي :
اولا : ان طريق عزمي بشارة ، القائمة على المزايدة ... سقطت سقوطا مدويا .
ثانيا : البقاء في الوطن ، والنضال الوطني الدمقراطي بنفس طويل ، وبأفق انساني ودمقراطي هو الطريق .
ثالثا : ان عزمي بشارة ، مع الأسف وبخياره .. انتحر احتراقا !!
اما شعبنا الباقي في أرض وطنه ، مثل ناطور فيروز ، الذي بقي يحمي البيت والكرم ، فهو باق ، كالكرمل والجرمق ، باق مثل كل الشعوب متخندق في وطنه ، ويؤمن أنه لا بديل عن البقاء في الوطن ، وأن الرحيل هو هروب بائس .. هو انتحار .
هناك أفراد يسقطون .. أما الشعب الطيب المتواضع ، البسيط .. فهو بطل حقيقي ، لا يسقط ولا يهرب من الوطن ، ولا يستبدله بكل قصور الملوك والرؤساء والشيوخ ، ولا بديل أمامه الا البقاء في الوطن .. ناطورا !!
نبيل عودة – كاتب ، ناقد واعلامي - الناصرة
nabiloudeh@gmail.com


ليست هناك تعليقات: