الخميس، مايو 03، 2007

على الحكومة دق الحديد وهو حام!


سعيد علم الدين
قال الشيخ حسن نصرالله الاربعاء 2 نيسان في خطاب في الضاحية الجنوبية ان "اللجنة التي عينها اولمرت هي التي أدانته، وهذا ايضا جدير بالاحترام وليتنا نحن ننشئ لجان تحقيق لنستخلص العبر".
وكان قد قال في إحدى الخطب رداً على الانتقادات الكثيرة التي وجهت إليه " حاسبوني".
وفي هذا المنحى قال يوم 9/3/2007 في احتفال اربعين الامام الحسين في مجمع سيد الشهداء في الرويس التالي:" عدونا متوحش وعدواني، لكن من إيجابياته أن عنده مساءلة ولجان تحقيق ومحاسبة وانتخابات جدية، ونحن نأمل إنشاء الله أيضاً، في يوم من الأيام".
الكرة الآن في مرمى الحكومة وبعد هذا الكلام الواضح والشجاع من السيد حسن على الحكومة اللبنانية انتهاز الفرصة الذهبية المتاحة ودق الحديد وهو حام وأخذ المبادرة بأسرع وقت والقيام بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة من قضاة وخبراء وقانونيين ووضع ما قاله السيد حسن موضع التنفيذ، لكي تكشف هذه اللجنة للرأي العام اللبناني والعربي من خلال الاطلاع على الوثائق السرية والعلنية، وعلى الوقائع والحقائق والتحقيقات والمعطيات حقيقة حرب تموز: الأسباب ، الأخطاء، العبر، دور الحكومة وهل قامت بواجبها؟ وأين أخطأت وأين أصابت؟ وأين قصرت وأين تقاعست ؟ وأين نجحت وأين فشلت؟
وهل كانت حقا تتآمر مع الأمريكان كما اتهمها "حزب الله" وأطلق عليها الشيخ حسن "حكومة فيلتمان"؟
وهل حقا هناك غرف سوداء للوزراء تعاملت مع العدو ضد حزب الله أم أنها اشاعات تحريض على اغتيال الوزراء؟
وهل حقا انتصر لبنان أو "حزب الله" على العدو الإسرائيلي؟
وهل كان لبنان بحاجة لتحرير مزارع شبعا وعودة الأسرى بهذه الطريقة؟
البارحة هتَّني أحدهم متهكما عندما طالبت في محاضرة حول لبنان "بالدولة السيدة الحرة الديمقراطية المستقلة الوحيدة فوق أرض لبنان"، قائلاً: هل هذه دولة التي شربت الشاي مع العدو في ثكنة مرجعيون؟
على اللجنة المستقلة أيضا أن تقييم هذا الموضوع السيئ وما حدث حقا في ثكنة مرجعيون وإذا ارتكب أحد الضباط أخطاءً فيجب أن يحاسب عليها وأن يحاسب أيضا المسؤول أي وزير الداخلية أو حتى رئيس الحكومة.
نعم لعصر المحاسبة!
وإلا كيف سنصنع دولة القيم والحق والشرعية والعدالة والقانون: بالكلام أم بالأفعال؟
وأيضا مقولة السيد حسن الخطيرة "لو كنت أعلم" يجب أن تقيَّيم وتوضع في مكانها الصحيح ويحاسب عليها.
وأيضا هل أَدخلنا السيد نصر الله في نصر استراتيجي لبناني عربي أم كارثة وطنية استراتيجية لا مثيل لها في تاريخ الشعوب؟
لقد استشهد في هذه الكارثة أكثر من ألف لبناني وأصيب الآلاف بإعاقات دائمة هي عالة على المجتمع، عدا الخسائر بعشرات المليارات وتدمير البلاد. يجب أن يساءل من سبب هذه الكارثة !
نعم لعصر المساءلة في لبنان!
وإلا فإن الكوارث ستتراكم على رؤوسنا إلى أن نهجر ولا يبقى لبناني واحد يعيش بأمان في ظلال وطن الأرز. ونقول عندها هنيئاً لمن ليس له مرقد في لبنان. حيث سيتحول المرقد إلى موقد.
وإذا حاول السيد نصر الله التملص من أقواله فلا بد من مواجهته بها أمام الرأي العام. لكي لا تظل هذه الأقوال دون أفعال وفقط للاستهلاك الإعلامي والمزايدة الخطابية وتسجيل النقاط على حساب الحكومة المعذبة والمجاهدة من أجل لبنان وشعبه المنهك.
وكأن الحكومة هي التي تخشى هذه اللجنة التي يتمنى قيامها الشيخ نصر الله؟ وكأن "حزب الله" لم يرتكب أي خطأ فمن يطالب بلجنة تحاسبه ويتمناها، معناه أنه متأكد من صحة أفعاله.
ولهذا فعلى اللجنة أن تقول أيضا للسيد حسن أين أصاب وأين أخطأ!
وإذا تحجج السيد حسن بأن الحكومة غير دستورية فيجب على الحكومة أن لا تكترث لذلك، لأن هذه مشكلته ومشكلة من يشل البرلمان ويعطل النواب عن محاسبة حكومتهم ونزع الثقة عنها وإلغاء دستوريتها.
المهم هنا تشكيل اللجنة المستقلة المحايدة لكي تخرج بتوصيات وتحميل مسؤوليات وتقرير حيادي حول حرب تموز يكون مرجعية للجميع بدل تبادل الاتهامات والمهاترات وادعاءات النصر من هنا والدمار والكارثة من هناك.
وإلا كيف سنعمل على تفعيل أدوات ديمقراطيتنا؟ التي يجب تفعيلها وبأي وسيلة رغم العراقيل لتكون في خدمة الإنسان والمجتمع اللبناني والعربي. وإلا لن نصنع المستقبل وسندور حول أنفسنا إلى أن ندوخ ونقع ارضا وتتكاثر علينا السكاكين بلا شفقة وضمير كما هو حاصل اليوم. فلبنان الصغير حملوه مشاكل الشرق الأوسط الكبير من فلسطين إلى إيران وجلسوا يقهقهون عليه في مقعدهم الوثير وهو يصارع الزمن الحقير.
وكما هو معروف فإن آليات: المحاسبة والمساءلة والمكاشفة والشفافية هي أدوات مهمة وتدابير عادية ومثل عليا يؤخذُ بها بجدية في أي نظام ديمقراطي حقيقي وليس شكلي. الهدف مصلحة الدولة والمجتمع من خلال: إصلاح الخلل، تصحيح الأخطاء، محاربة الفساد، إلقاء الضوء على خفايا الأمور من جميع جوانبها لكشف الحقيقة كاملة للرأي العام، وتحميل المسؤول مسؤولية أخطائه.
فالمسؤولية السياسية هي أمانة في عنق المسؤول وليست نيشانا يوضع على صدرهِ أو تاجاً يرصع به رأسه، أو أقوالا ينثرها في الهواء الطلق. الوطن أهم من صاحب القرار السياسي الذي يخطئ ويصيب كأي إنسان. فإن أصاب كان منعةً للدولة وخيرا للمجتمع وازدهاراً للبلاد ونجاحا له ولحزبه أو تياره على متابعة مسؤوليته المحددة زمنياً بالانتخابات. وإن أخطأ وأدى قراره إلى الخراب والأحزان وجلب المآسي والويلات والدمار للدولة والناس فيجب أن يحاسب كما هي الحال اليوم في إسرائيل. حيث حمَّلت لجنة فينوغراد المسؤولين مسؤوليتهم وأحرجتهم أمام الشعب فاستقالوا واحدا تلو الآخر.
هذا انتصار للشعب والديمقراطية والمؤسسات قبل أي شيء آخر.
ما حدث في إسرائيل هو تثبيت لدولة المؤسسات واعتبارها أهم من الأشخاص ومهما علت مناصبهم. إنها مفخرة لهم في محاكمة رئيس الدولة بسبب أخلاقياته. فبماذا نفاخر نحن العرب؟ في عبادة الرؤساء والقادة والأصنام الذين أوصلونا إلى الاحتلال والخراب والدمار والإذلال؟ الحر يرفض الذل ولقد أثبت الشعب اللبناني في دفاعه البطولي عن حقه في الحياة أمام الأعداء والمؤامرات والدسائس والفتن والاغتيالات أنه شعب أحرار ومفخرة لكل الشعوب العربية الشقيقة.
يجب أن نبني دولة المؤسسات والعدالة واحترام الإنسان والقانون لكي لا نحتاج إلى محكمة ذات طابع دولي. دولة المؤسسات تستمر عبر الأجيال وتتطور من جيل إلى جيل وأما القادة والرؤساء والأصنام فهم عابرون.
وإذا كان الشيخ حسن يرى إيجابيات المساءلة ويدرك حسنات الديمقراطية ويمدحها فعليه أن يعمل بها ويطبقها في النظام الديمقراطي اللبناني الذي هو جزء منه، ومن خلال الشعب الذي انتخب نواب حزبه وأوصلهم إلى البرلمان.
وهل أوصل الشعب اللبناني نواب حزب الله لإعمار البلاد ونهوضها أم لإعطاء الذريعة لإسرائيل لتدمر ما بنيناه بعرق الجباه طيلة عشرات الأعوام؟
المساءلة تعني الشجاعة والمواجهة وتقبل مرارة الحقيقة. ومنها يأتي التجديد والتغيير للأفضل وعدم القبول بالخلل. المحاسبة هي السلاح الفكري الأقوى في عدم تكرار الأخطاء.
ولو أن العرب شكلوا بعد نكبة 48 لجنة تحقيق مستقلة تقول لهم بصراحة: أين الخلل، بدل الانقلابات العسكرية والعنتريات والهوبرات ورمي اليهود في البحر فرمونا وراء النهر، لما تكاثرت علينا النكبات والمآسي وشلالات الدم الغزيرة والأخطاء المتكررة حتى اليوم.
ولو أن جمال عبد الناصر شكل بعد العدوان الثلاثي عام 56 لجنة تحقيق مستقلة تكشف الأخطاء بدل إعلان الانتصار على الدول الثلاث، لما وقعت مصر في هزيمة 67 النكراء ولتفادت نتائجها المرة.
ولو أن صدام حسين بعد اندحاره من الكويت شكل لجنة تحقيق مستقلة تدله على الأخطاء وتكشف له بصيرته العمياء لما دمر حياته وحياة العراقيين الشرفاء ودولتهم الغنية العامرة .
وعلى السيد حسن نصر الله أن يترك للجنة التحقيق إعلان النصر أو الفشل بدل أن يدعي النصر الاستراتيجي والإلهي المطلق المشكوك في أمره.
ولا بد من طرح السؤال التالي على الشيخ حسن: هل سيسمح للمجتمع بمحاسبته بعدما ادعي النصر الإلهي؟
وهل ممكن ان تحاسب الآلهة؟ رغم كل ذلك يجب على الحكومة أن تنتهز الفرصة وتأخذ السيد حسن من أقواله الشجاعة. وإذا وافق على تشكيل لجنة تحقيق مستقلة فسيكون عندها حقا بطلا قوميا عربيا مسلما دخل التاريخ من بابه الواسع.

ليست هناك تعليقات: