الخميس، مايو 10، 2007

حرب يخافها الجميع...


نبيل عودة

كشفت اذاعة الجيش الاسرائيلي ( جالي تساهل – الخميس 07 /05 /10) عن وثيقة داخلية هامة للغاية، في أدراج وزارة الخارجية الاسرائيلية ، تؤكد ان الرئيس السوري بشار الأسد يريد ان يصل الى تسوية سياسية مع اسرائيل .
لا جديد في الخبر .. الخطاب السياسي السوري دأب منذ فترة طويلة على حث اسرائيل نحو البدء بمفاوضات للوصول الى تسوية سلمية ، وتنصلت حكومة اولمرت ، والحكومات التي سبقتها ... من "هجوم" السلام السوري بحجج واهية ، وبتبريرات سياسية مغامرة ومستهجنة ، من أبرزها أن موقف اسرائيل هو استجابة لسياسة الولايات المتحدة ، في الضغط على النظام السوري ... وأن سوريا غير جادة بموقفها للوصول الى تسوية .
كشف النقاب عن هذه الوثيقة في اذاعة الجيش ، يغير الواقع ، ويكشف مدى المقامرة والمغامرة السياسية لحكومة اسرائيل ، وبالأساس لرئيس الحكومة ايهود اولمرت . حليف اولمرت في الحكومة ، حزب العمل ممثلا بوزير الدفاع عمير بيرتس كان له موقف مغاير - ايجابي ... ولكن صوته الخافت ، وضعفه السياسي ، الذي ورطه بمواقف عسكرية وسياسية صقرية ، برزت في عجزه على الأصرار على موقفه وموقف حزبه الداعي الى الاستجابة للمبادرات المتكررة للرئيس السوري بشار الأسد .
قد يكون وراء كشف الوثيقة في هذا الوقت بالتحديد عوامل عدة :
اولا : لكشف تهرب رئيس الحكومة اولمرت ( المتورط حتى أذنيه بتحقيقات لجنة فينوغراد عن فشله في حرب لبنان وتحقيقات الشرطة بتهم الفساد والأرتشاء ) من القيام بمسؤولياته السياسية تجاه اسرائيل شعبا ودولة ، والتفريط بفرص حل أخطر معضلة عسكرية وسياسية تواجه اسرائيل . والهدف واضح .. زيادة المبررات التي توجب استقالته من رئاسة الحكومة ، وتسريب الوثيقة من وزارة الخارجية ، حيث تجلس منافسته الرئيسية على قيادة حزب قديما ورئاسة الحكومة .. يكمل الصورة تماما !!
ثانيا : قد تكون مناورة سياسية من اولمرت نفسه ، لاشغال الرأي العام اليقظ في اسرائيل بقضية لا تتعلق بفشله في حرب لبنان ، أو التحقيات معه عن الفساد والرشاوي ..
ثالثا : ربما بلغ السيل الزبى ولم يعد من الممكن تجاهل الموقف السوري ، وهذا مرتط بالعديد من التقارير التي اشارت الى أن سوريا لا يمكن أن تقبل الى ما لا نهاية الوضع السائد ، حيث ترفض اسرائيل باستمرار المبادرات السلمية السورية ( وآخرها زيارة رجل أعمال سوري يحمل الجنسية الأمريكية للكنيست الاسرائيل ، كان معتمدا من سوريا في مفاوضات اسرائيلية سورية سرية عديدة ) ، الأمر الذي سيقود عاجلا أم آجلا الى نشوب حرب . وكانت قد نشرت في اسرائيل تقارير مخابراتية متنوعة ، حول استعدادات عسكرية سورية ، خاصة في مجال الصواريخ ( ببناء مدينة صواريخ محمية جيدا تحت الأرض وحول عملية تحديث جذرية للجيش السوري )، تضمن لسوريا ردا مدمرا على الداخل الاسرائيلي ، مهما بلغت قوة الضربات العسكرية الاسرائيلية ، وسيطرة اسرائيل الجوية الكاملة . هذا عدا احتمالات واردة عن مشاركة حزب الله وربما ايران بشكل من الأشكال ..
رابعا : لا بد من ربط الموضوع مع ازدياد التورط الأمريكي في العراق ، والاستياء السياسي المتزايد في الشارع الأمريكي من سياسة بوش ، وفقدان الادارة الأمريكية لأكثرية داعمة في الكونغرس الأمريكي .
خامسا : قد يكون رفض الاستجابة للمبادرات السورية السلمية ، وسيلة ضغط سياسية مارستها الادارة الأمريكية بشراكة اسرائيل ، أثمر عن تناقضات في وجهات النظر وثغرات في التحالف السوري الايراني ، حول العديد من المسائل ، وعلى رأسها دور حزب الله في حالة بدء المفاوضات السورية الاسرائيلية . ولا بد من التأكيد ان استراتيجية سوريا وأهدافها الشرق أوسطية لا تتماثل مع استراتيجية وأهداف النظام الايراني بالكامل .
أي كان السبب ، هذه الوثيقة الهامة تضاف للعديد من التقديرات حول الوضع السياسي والأمني الاسرائيلي في مواجهة سوريا ، التي نشرت في الأسابيع الأخيرة . ومن المهم جدا التصريح الذي أدلى به رئيس مجلس الأمن القومي الاسرائيلي ايلان مزراحي ، الذي قال : " ان دعوة سوريا للحوار مع اسرائيل هي دوة صادقة تماما "
بنفس الوقت دعا مسؤولين كبار في جهاز المخابرات العسكرية الاسرائيلية الى التعامل بجدية مع مبادرات السلام السورية . وما يؤكد المصداقية وراء المبادرات السورية ، هو اقتراح الرئيس السوري الأسد ، باجراء مفاوضات سرية ، مما يؤكد ، حسب المصادر الاسرائيلية ، رغبة سورية حقيقية بالوصول الى حل سياسي واتفاق سلام .
من الواضح لكل مواطن في اسرائيل ما هو " الثمن " المطلوب من أجل انهاء النزاع مع سوريا قبل ان يتحول الى بركان من النار يحرق الأخضر واليابس في اسرائيل وسوريا ، وربما في مناطق أكثر امتدادا من مساحة اسرائيل وسوريا الجغرافية ، ولا أعني لبنان فقط ، انما ما هو أكثر عمقا وامتدادا .
ومن الواضح أيضا ان الأتفاق الذي توصل الية المرحومان اسحق رابين وحافظ الأسد ، ووضع كوديعة لدى الادارة الأمريكية .. سيكون الأساس لأي حل متوقع ، ومن المهم في أبكر وقت ممكن ..
حرب لبنان الثانية أثبتت ، أن بضعة صواريخ من جيل الحرب العالمية الثانية ، ومضادات حديثة للدروع ، تحمل على الكتف ، تستطيع انجاز ما عجزت عنه كل الجيوش العربية بمدرعاتها وطائراتها واساطيلها .
لعل هذا من وراء "الطراوة " الجديدة في الموقف الاسرائيلي ، ونشر وثيقة هامة على الملأ ، في هذا التوقيت .. للفت انتباه مواطني اسرائيل أن اولمرت ما زال ضروريا لتحقيق السلام مع أشد أعداء اسرائيل خطرا ، بعد أن تبين أن الحروب الاسرائيلية العربية ، أصبحت غير قابلة للحسم ، ودموية ومدمرة للجانبين !!
نبيل عودة – كاتب ، ناقد واعلامي – الناصرة ( اسرائيل )
nabiloudeh@gmail.com

ليست هناك تعليقات: