الأحد، أكتوبر 18، 2009

قناة الجزيرة تصنع الملهاة وتحارب المشروع الوطني الفلسطيني

محمد داود

في كل المراسيم الرئاسية و الحكومية وبحضور شخصيات رفيعة محلية ودولية وقبل أن تلتئم الاجتماعات وجلسات المؤسسات الوطنية، في ساحات الوغى، في منارة العلم في المدارس والجامعات، في الحفلات والأعراس الوطنية في كل مكان نسلكه بعد التحية يكاد يكون خبزنا اليومي، إنه حلمنا الذي أصبح حقيقة؛ تراثنا؛ ثقافتنا؛ بل هويتنا وعنوان حياتنا وحضارتنا التي نورثها ونرسخها في قلوب أبنائنا جيلاً بعد جيل، فمنذ صغرنا اعتدنا أن نسمعه، إنه باختصار "النشيد الوطني - موطني"، فرغم قهر الاحتلال الذي حرمنا من تحقيق هذه السيادة منذ سنين حتى استطاع أن يصبح الحلم اليوم حقيقة وأصبح نشيدنا الوطني يصدح في كل أصقاع العالم ... فنهب واقفين متسمرة أعيننا للعلم الذي يرفرف عاليـاً خفاقاً نردد بحماس احتراماً وإجلالاً لكلمات النشيد ليس خوفاً من أن ننسى وطننا فلسطين لأن فلسطين محفورة في قلب كل فلسطيني بالفطرة، بل الغرض في الغالب يكون تقديراً ووفاءً وعزة وترسيخاً وحباً وأملاً لوطننا المحتل بأن يتحرر وأن فجر الحرية آتٍ لامحاله. وهكذا ينطبق الأمر على العلم الفلسطيني بألوانه الداعية للوحدة وللقومية العربية؛ كما النشيد الوطني والسلام الوطني والكوفية ولرمز فلسطين الشهيد الأب والقائد "ياسر عرفات"، جميعهم جسدوا لنا أروع الملاحم وأصالة الإنسان الفلسطيني ولمسيرة وطن وحضارة شعب لن تنجلي دفع ثمنها مئات الآلف من الشهداء والجرحى والأسرى عبر سيرورة تاريخية نفتخر لها.

إننا لا نريد أن نندفع لمهاجمة الجزيرة على صنعها الآثم والمجحف الذي أعتدنا عليه في خطابها الإعلامي بقدر ما نحن هنا في محل دفاع عن قضيتنا وعن رموزنا الوطنية وفلسطين التي تذبح من كل جانب "سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وفكرياً ودينياً وعسكرياً ... روحياً وعلمياً وعقلياً وجسدياً،.....الخ" حتى أصبحت القضية الفلسطينية مجرد ملهاة "مسخرة" أو ورقة مساومة بين أزقة الدول والقنوات التلفزيونية والصحف اليومية والأسبوعية الصفراء التي حققت مصالح دول وولاءات ضيقة. بل مزاجات أحزاب وآراء شخصيات رخيصة غير ناضجة تفتقر لمعرفة مفهوم علم السياسة أو الانتماء للوطن؛ تجردت من كل معاني القيم والأخلاق وحتى الدين، همها الوحيد هو كيف تثير الرأي العام لتصدح عبر نجومها في سماء الإعلام، بينما هي في الحقيقة تزيد الشعب الفلسطيني مزيداً من الألم والتشرذم والضعف.

فقبل أسابيع تعرض الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" شخصياً بعبارات ما أنزل الله بها من سلطان عبر قناة الجزيرة الفضائية وما هي إلا أيام حتى تعرضت القيادة الفلسطينية من جديد لهجمة شرسة من التشكيك تحت عنوان "تقرير جولدستين" وشاهدنا سيل من الاتهامات حتى حصحص الحق، فارتد المغرضين على أدبارهم فيما صنعوا خاسئين خاسرين خائبين، وقد كان موقف الجزيرة التي أغلقت مكاتبها في عدد كبير من الدول العربية بسبب مواقفها السلبية والمثير للفتنة والخلافات السياسية، وبث الكراهية والطائفية هو لسان حالها، ولكن فلسطينياً بعد أن توفرت الأرضية الخصبة لها وجدت قناة الجزيرة مرتعاً لها لكي تعبث في خلط الأوراق الفلسطينية كما يصنع إعلام الاحتلال لنشر الأفكار المعادية لعقيدة الشعب الفلسطيني، وللوحدة الوطنية والحرية والديمقراطية وكأن هذا ما ينقصنا، فأعطي لها التفويض لخلق مزيداً من الانتهاك لكرامة الإنسان الفلسطيني وقضيتنا الوطنية المحفوفة بدماء الشهداء الزكية.

إن اللعب بمصير الشعوب والطعن بوطنيتهم هي كمن يمس كرامتهم وشرفهم، وسياسة التخوين الممزوجة بستار حرية الكلمة والتعبير أكلت من الشعب الفلسطيني وقضيته التاريخية الكثير، ويكفي نار الانقسام التي طعنت المشروع الوطني الفلسطيني من الخلف، وأصبحنا سلعة رخيصة يمارس بحقنا شتى الجرائم وأخرها مجزرة غزة وضياع للقضية وحصار وتجويع .

فما أقدم عليه مقدم البرنامج غسان بن جدو لم يأتي من فراغ وهناك أوساط سياسية دفعت وساهمت في إعداد البرنامج لتبحث لها عن أرضية للمس بأحد أركان النظام السياسي الفلسطيني بما يندرج في إطار سياسة البديل والإحلال المتبعة على قدم وثاق وهو أيضاً يمثل تخطي لحدود شرف المهنة وللميثاق الصحفي والمسؤولية المهنية والموضوعية الذي من شأنه النأي عن التشهير والتجريح وإثارة الأحقاد والنعرات والمفاهيم التي تكرس الكراهية والفرقة، بوصف رمز السيادة الفلسطينية وعزتها بهذا الأسلوب الرخيص المهين، والذي يعد أيضاً مساساً لكرامة كل فلسطيني في الداخل والشتات يستهدف تصفية القضية الفلسطينية؛ ما يستدعي قناة الجزيرة وبن جدو الخروج فوراً والشجب والاعتذار عما بدر، فما كان على الجزيرة إلا أن تبحث عن بث برامج تعمل على إنهاء القطيعة بين الأقطاب السياسية الفلسطينية دعماً (لجهود الحوار ولتحقيق التصالح الوطني)، وتعزيز الانتماء الوطني والشراكة السياسية لتحقيق الطمأنينة وأعمار غزة وعرض برامج وأخبار تكشف النقاب عن جرائم الاحتلال من قتل واجتياحات واعتقالات وتدمير للممتلكات واستيطان لمعرفة حجم وهمجية السياسة الإسرائيلية التي تهدف إلى تهويد القدس والضفة، حتى نحظى بإعلام يحقق الغايات الدينية والوطنية والقومية والإنسانية النبيلة والدفاع عن وجودنا الوحدوي الديمقراطي الحر الكريم والمثمر.

ولا يسعنا في النهاية إلا أن نقول "حسبنا الله ونعم الوكيل".

كاتب وباحث

ليست هناك تعليقات: