الأربعاء، مارس 17، 2010

لكي تكون هناك مصداقية أميركية.. وعربية

صبحي غندور


كيف يمكن توصيف ما يحدث الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟ وهل هو خلاف استراتيجي أم تكتيكي؟.

قد يقرأ البعض التطورات الأخيرة وكأنّها غيمة سوداء عابرة في سماء العلاقات الأميركية/الإسرائيلية، وقد يراها البعض الآخر مقدّمة لتحوّل مهم في هذه العلاقات وللرؤية الأميركية لإسرائيل نفسها. وفي الحالتين، هناك إجحاف لواقع المشكلة ولأبعادها.

فما يحدث هو أزمةٌ فعلاً، لكن ليس بين "الدولتين" بل بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو. والأزمة ليست بسبب المستوطنات فقط، بل هي في الأجندة الخاصّة بكلّ طرف حول أوضاع الشرق الأوسط ككل. فالتزامن بالوصول إلى الحكم، الذي حدث بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو، لم يرافقه توافق في الأجندات. فبينما جاءت إدارة أوباما على شعارات رفض التطرّف والسعي لمعالجة الأزمات الدولية عبر التفاوض، وصل نتنياهو للحكم بفضل غالبية متطرّفة من الناخبين الإسرائيليين وعلى رأس حكومة يدير وزارة خارجيتها مستوطن يريد تهجير الفلسطينيين ويرفض الاتفاقات الموقّعة مع السلطة الفلسطينية ويهدّد بقصف مواقع مصرية. أيضاً، وهذا هو الأهم، فإنّ حكومة نتنياهو التي تريد التملّص من مسيرة التسوية مع الفلسطينيين، تعمل من أجل دفع أميركا والغرب إلى مسيرة حرب مع إيران ومن يقف معها عربياً.

هنا تحديداً جوهر الخلاف والتباين بين إدارة أوباما وبين حكومة نتنياهو، فهو خلاف يتجاوز مسألة الاستيطان ويشمل كل الرؤية الأميركية الآن لمصير الصراعات في الشرق الأوسط.

إدارة أوباما تراهن على المفاوضات مع إيران لا على الحرب ضدّها، وترى الآن مصلحة أميركية في ذلك ترتبط بالوجود العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان وفي منطقة الخليج العربي.

إدارة أوباما تسعى لتحسين العلاقات مع سوريا وللدفع باتّجاه تسوية شاملة تؤدّي إلى توقيع سوريا ولبنان على معاهدات مع إسرائيل ممّا يخلق "مناخاً سلمياً" يريح السياسة الأميركية في المنطقة ويخفّف النفوذ الإيراني فيها ويُضعف جماعات التطرّف المسلّحة عموماً.

أمّا حكومة نتنياهو، فهي بالأساس "حكومة حرب" لا حكومة تسويات. وهي تراهن على "أولويّة الملف الإيراني" لا مسيرات التسوية في الصراع العربي/الإسرائيلي، كما تأمل هذه الحكومة بفشل المفاوضات الدولية مع إيران لكي يصبح الخيار العسكري لا العقوبات الاقتصادية البديل لحال فشل المفاوضات مع طهران.

حكومة نتنياهو ترى فوائد إسرائيلية عديدة في خيار الحرب ضدّ إيران، ولا تجد مصلحةً في السير من الآن بنهج التسويات السياسية التي ستفرض عليها الانسحاب من الجولان والضفّة وإقامة الدولة الفلسطينية.

وهناك مراهنة إسرائيلية مستمرّة على انقسامات وصراعات في الجسم الفلسطيني وفي عموم المنطقة العربية، بفعل التأزّم الحاصل مع إيران وانسداد آفاق التسويات السياسية. كذلك فإنّ الصدام العسكري مع إيران، المأمول به إسرائيلياً، سيزيد من مشاعر الغضب ضدّ الولايات المتحدة والغرب، وسيعزّز الحاجة الأميركية لدور إسرائيل في المنطقة.

واقع الحال الآن، أنّ إدارة أوباما أصبحت ترى في الموقف الإسرائيلي الراهن عقبةً كبيرة أمام برنامجها في الشرق الأوسط، فالتعامل مع الملف الفلسطيني هو المدخل المهم لكلّ هذا البرنامج، ومفتاح هذا الملف هو بيد حكومة نتنياهو.

لذلك، لن يكون هناك تراجع أميركي عن التعامل مع الملف الفلسطيني، ولو أدّى الأمر إلى مزيد من "الضغط المضبوط" على حكومة نتنياهو.

حتى الآن، تمارس إدارة أوباما الضغوط على الحكومة الإسرائيلية من خلال التصريحات إنْ كانت تلك الصادرة عن مسؤولين في الإدارة أو من أطراف اللجنة الرباعية. لكن رغم قيمة هذه التصريحات من الناحية الدبلوماسية، فإنّ تأثيرها على الداخل الإسرائيلي يبقى محدوداً ما لم يقترن الأمر بضغوطات اقتصادية ومالية كالتي قامت بها إدارة جورج بوش الأب عشيّة مؤتمر مدريد عام 1991، والتي دفعت حكومة شامير آنذاك للقبول بالمشروع الأميركي للتسويات في الشرق الأوسط.

إنّ الضغط الأميركي على الحكومة الإسرائيلية يحتاج الآن إلى ضغط فلسطيني وعربي على واشنطن وعلى المجتمع الدولي عموماً من خلال توفير وحدة موقف فلسطيني وعربي يقوم على رفض أي مفاوضات مع إسرائيل ما لم يتمّ الوقف الكامل والشامل لكل عمليات الاستيطان في كلّ الأراضي المحتلّة، على أن يترافق ذلك مع تجميد كل أنواع العلاقات الحاصلة بين إسرائيل وبعض الدول العربية. وبذلك تكون هناك مصداقية للموقف الرسمي العربي، وتكون هناك خطوات عربية جدّية داعمة للضغط الأميركي "المعنوي" على إسرائيل.

لقد دفعت المنطقة العربية، والقضيّة الفلسطينية خصوصاً، ثمناً باهظاً من التضحيات والأزمات والتنازلات منذ توقيع المعاهدة المصرية/الإسرائيلية، التي أعادت لمصر سيناء منقوصة السيادة وبدون قطاع غزّة الذي كان لتاريخ احتلاله عام 1967 تحت الإشراف المصري. كذلك فعلت "اتفاقيات أوسلو" التي أباحت للأردن توقيع معاهدة مع إسرائيل دون شرط الانسحاب من الضفة والقدس الشرقية اللتين كانتا حتى حرب 1967 تحت العهدة الأردنية. وقد أعطت "اتفاقيات أوسلو" عام 1993 لإسرائيل الاعتراف الفلسطيني بها قبل تحديد حدود "الدولة الإسرائيلية" وقبل اعتراف إسرائيل بحقّ وجود دولة فلسطينية مستقلّة، وبتسليمٍ من قيادة منظمة التحرير بنصوصٍ في الاتفاقية تتحدّث عن "إعادة انتشار" القوات الإسرائيلية وليس عن انسحاب مُتوَجَّب على قوّاتٍ "محتلّة".

وقد كان ذلك كافياً لتواصِل إسرائيل نهج الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس طيلة 17 سنة، وهي "تفاوض" السلطة الفلسطينية على ما سُمِّي بالقضايا الكبرى المتمثّلة بالقدس واللاجئين والحدود ومصير المستوطنات، بينما كان أوْلى بقيادة "منظمة التحرير" أن تجعل الاتفاق على هذه القضايا شرط الاعتراف بإسرائيل. فإسرائيل أخذت من الطرف الفلسطيني في اتفاق أوسلو كلّ شيء (بما في ذلك إلغاء حقّ المقاومة المسلّحة) مقابل لا شيء عملياً لصالح القضية الفلسطينية. حصل فقط بعض الأشخاص على مناصب وهمية وعلى مسؤولية "مخاتير" في مدن وقرى فلسطينية محتلّة.

فكفى الأمَّة العربية والقضية الفلسطينية هذا الحجم من الانهيار ومن التنازلات، وكفى أيضاً الركون لوعود أميركية ودولية يعجز أصحابها عن تحقيق ما يريدون من إسرائيل لأنفسهم فكيف بما يتوجّب على إسرائيل للفلسطينيين والعرب؟!

وعوضاً عن اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب لتعويم المفاوضات الفلسطينية مع إسرائيل، فإنّ من الأجدى أن تطالب السلطة الفلسطينية والجامعة العربية بعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لاستصدار قرار يحسم صفة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في العام 1967 واعتبارها كلّها "أراضٍ محتلّة" ينطبق عليها القانون الدولي الذي يفرض على المحتلّ الانسحاب تحت طائلة العقوبات الدولية، والذي يبيح حقّ مقاومة هذا الاحتلال، ويُبطل أي شرعية قانونية عن الإجراءات التي تحدث في الأراضي المحتلة بما فيها إقامة المستوطنات.

إنّ مبادرة عربية وفلسطينية من هذا النوع تكون محكّاً للنفس وللآخرين، وفي ضوئها يتحدّد مدى مصداقية المواقف الأخيرة لإدارة أوباما وأطراف اللجنة الرباعية.

ليست هناك تعليقات: