الأربعاء، مارس 24، 2010

ألهاكم تكاثركم حتى زرتم المقابر

محمود غازي سعد الدين


وردني مقال حول اعتناق أستاذ الرياضيات في جامعة كنساس الأمريكية هو جيفري لانغ ( (Jeffrey Lang للإسلام يتحدث فيه عن اعتناقه للديانة الإسلامية , وكيف بدأ بإقامة الصلاة وارتباكه وتوتره خلال أداء تلك الفريضة تفاصيل كثيرة تشرح ذلك تناولته سطورا المقال .
لست هنا لأصدق الخبر أو أن انفيه وان صح أو ان لم يصح , ولكني سأعلق بسطور قليلة على مثل هذه الأخبار التي تنقلها وسائل الإعلام من صحف ومواقع الكترونية وفضائيات محسوبة على ملل المسلمين كافة بشتى صنوفهم والرقع الجغرافية التي تنتشر فيها , فهناك قنوات كثيرة ومواقع الكترونية تتسابق في نقل وترويج لمثل هذه القصص , وتشير إلى ألأعداد التي تتسابق لتعتنق الإسلام وتتخذه دينا حنيفا بغض النظر عن هذه الطائفة وتلك فالكل يخترع القصص وينشر أرقام كبيرة الداخلين , يتخيل لي من الوهلة الأولى أن العالم بالنظر لهذه الأرقام سيكون ملة ومذهبا وأمة إسلامية واحدة في غضون أعوام قليلة بالنظر لتوافد وتقاطر الناس إلى ملة الدين الحنيف أفواجا أفواجا !!!
هل باتت امة المسلمين التي بات تعدادها يقارب مليارا ونصف المليار حسب الأرقام التي نشرتها بعض المؤسسات ألإسلامية واستطلاعات الرأي بحاجة إلى أن يرفعوا سقف هذا الرقم أضعافا مضعفة , ويضموا في النهاية غيرهم من الذين يعيشون على أرض المعمورة ويعتنقون أديانا أخرى !!
هنا أطرح سؤالا على المسلمين أنفسهم بشتى طوائفهم وعقائدهم سنة وشيعة , من حنفية وسلفية ووهابية شافعية وحنبلية , جعفرية وأمامية ومهديين وعلويين (رغم وجود البون الشاسع بين عقيدة الشيعة وعقيدة المتطرفين المحسوبين على المدرسة السنية التي تشكل النسبة الأكبر من عدد المسلمين مع ملاحظتي دائما أن هناك من الشيعة الآن لا يفرق خطابهم المتطرف المتشنج عن الخطاب المتطرف السني) والسؤال هو هل فهم واستوعب معظم المسلمين قديما وحديثا بغض النظر عن أي طائفة ومعتقد , دين الإسلام الذي اعتنقوه ؟ وماهية أصول تعاملهم مع بعضهم البعض ومع غيرهم من يدينون بمعتقد آخر غير ألإسلام , في ظل تنامي الخطاب المتشنج الحالي ووجود وهيمنة الإسلام السياسي أو بالأحرى إسلام الحاكم والرؤساء جل جلالهم ووعاظهم الكثرة , وقد تناغم وتوافق الخطابان وأصبحت مظالم وانتهاكا لحقوق البلاد والعباد ؟
ما تشير إليه هذه الوسائل الإعلامية حول اعتناق هذه الأعداد للإسلام لا يفسر لي سوى أنها دعاية وترويج لهذه الطائفة آو تلك أو مؤسسة مدعومة من هذا الحاكم أو ذاك بغية تلهية العقول وتخديرها وتنويمها اجتماعيا ودينيا بقدر ما هي مخدرة ومنومة أصلا ( وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الغافلين) .
تساؤل آخر يطرق ذهني حين سماعي لمثل هذه الأخبار , أي مذهب وطائفة تعتنق هذه الأفواج التي تدخل دين الإسلام هل سيعتنقون المذهب السني أم الشيعي بجميع فروعهم وصنوفهم واختلافاتهم المتطرفين منهم والمعتدلين ؟ (فالتيار المعتدل من المدرستين وخاصة المعتدلين الشيعة , باتوا يؤرقون نوم المدرسة السنية المتطرفة خاصة بسبب تغيير المسلمين أنفسهم لمعتقدهم , والنظر إلى المدرسة والطائفة الأقل تطرفا والسير تحت ظلها فلا ضير في الاختلاف طالما لم يبح القتل وإيذاء الغير وسفك الدماء , فاختلاف امة ألإنسان رحمة (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) , وهنا لابد من التحذير من أن هدف الجماعات السنية المتطرفة ومن ورائها مؤسسات حكومية تتبع دولا كالسعودية واليمن ومصر وليبيا , تشاركها تيارات شيعية من حيث تعلم أو لا تعلم تتبع سلطة ولاية الفقيه في إيران ولبنان واليمن , تحاول جهد إمكانها خلط ألأوراق وإلصاق تهمة ألإرهاب بالطائفة الشيعية المعتدلة من خلال عمليات داخل العراق وخارجه , والهدف هو تحويل أنظار دول العالم المتحضر عن معاقل ومنابع ألإرهاب الحقيقية وصراع المصالح والمناصب بين هذه الجهات , في وقت تشهد ساحة المسلمين الصراعات والتناحر وأعمال قتل وتفجير وتفخيخ بدأ من العراق وأفغانستان وباكستان والهند واندونيسيا وانتهاءها بنيجيريا , وبعض دول العالم الأخرى التي تشهد تطرفا متزايدا من قبل المسلمين في جميع القضايا الصغيرة والكبيرة .
سأقولها صراحة هذه الأخبار كلها لا تنفع المسلمين في شيء ولا تغني ولا تسمن من جوع في النهاية سينطبق علينا نصوص الآيات الكريمة (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر)( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ) والأحاديث النبوية الكثيرة التي جاءت بها كتب الحديث لا تعكس هذا الشيء إطلاقا فقد جاء على لسان النبي محمد نفسه "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ. وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها" وقد قال الإمام علي ( أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً وَ بَعْدَ الْمُوَالَاةِ أَحْزَاباً مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْمِهِ وَ لَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ تَقُولُونَ النَّارَ وَ لَا الْعَارَ كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ وَ نَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ وَ أَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ ثُمَّ لَا جَبْرَائِيلُ وَ لَا مِيكَائِيلُ وَ لَا مُهَاجِرُونَ وَ لَا أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ إِلَّا الْمُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ) وَ قَالَ علي ( عليه السلام ) : (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ وَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ وَ مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى سُكَّانُهَا وَ عُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَأْوِي الْخَطِيئَةُ يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا وَ يَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ وَ قَدْ فَعَلَ وَ نَحْنُ نَسْتَقِيلُ اللَّهَ عَثْرَةَ الْغَفْلَة).
فجميع الأحاديث والآيات التي ذكرتها والتي لم تذكر وهي عديدة في هذا الصدد لا تؤشر في أن الكثرة والعدد وتزايد عدد المساجد وبناءها ومروجي وممولي بناءها مؤشرات ودلالة لقوة أية ملة وطائفة , بل العكس صحيح كما تشير هذه النصوص والآيات , إنما القوة والمؤشر الأول والأخير هو مقدار تطبيق العدالة والإنسانية بين مختلف بني البشر فهذا هو المقياس التي تسير عليه البشرية والتي جاءت بها معظم الرسالات السماوية , والدلائل على هذا كثيرة في حياة الرسول كثيرة فمخاطبته لصحابته قبيل وفاته ونصحه لهم في حجة الوداع وهو يستنصت الناس ثم قال ويحكم أو ويلكم "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" وجاء في القرآن الكريم (لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) إذا لقد تنبأ الرسول فيما سيحصل بعده من تقاتل وتناحر وهذا ما استنتجه من خلال رؤيته الثاقبة في حياته قبل مماته .
تناحر وتقاتل المسلمون من الصحابة ألأجلاء والمنافقين والطغاة منهم في العديد من المواقف عبر التأريخ فريق يريد تحقيق العدل الاجتماعي والمساواة والقيام بتغيير داخلي وإيقاف الفتوحات وذاك يريد السلطة والجاه والحسب والنسب وسلب الحقوق وتوسيع رقعة أرض المسلمين وإكراه الناس على دخول ملة الإسلام وسبي النساء وزيادة العبيد والجواري.
لا زال العديد من المروجين ينعقون بأن أعداد المسلمين باتت تفوق أو ستفوق أعداد من يعتنقون الديانات الأخرى (الضالة عن طريق الحق حسب تعبيرهم المتطرف) وكأن الرسالات والعقائد الأخرى باتت مجرد رسالات وقتية (أو أنها منتهية الصلاحية) أكل عليها الدهر وشرب , وهذا أيضا بمجمله يخالف نصوص القرآن نفسه في مواضع عدة(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ) ولعل الدول المتقدمة في مجال حقوق الإنسان ورقي قوانينها في هذا المجال يجعلني أقول أنهم أقاموا القران والتوراة والإنجيل وكل الرسالات السماوية ولا فرق لدي بين هذه الرسالة وتلك , سماوية وغير سماوية فالمهم أن يكون هدفها ألأسمى خدمة الإنسان وليس العكس كما تصوره مجتمعاتنا وحكوماتنا في استباحة وانتهاك الحقوق باسم ألإسلام .
هل سلك المسلمون أنفسهم طريق الحق ليسلكه غيرهم ويهتدي بهم ويدخل في ملتهم داخلون جدد, وليرفعوا راياتهم ويتفاخروا بذلك في كل ساعة وكل حين ؟؟؟
لسنا بحاجة لأرقام تتزايد وتتضاعف نتفاخر بها فإذا دخل أحد الموقنين المؤمنين أصلا القصد هنا الأستاذ الأمريكي (إن صح الخبر) وجعل الإسلام السمح المتسامح طريقا له للاسترشاد والتوجه إلى الله فلا ضير , فهذه أيضا ليست مفخرة لأمة المسلمين بل هو انجاز شخصي وإيماني صرف يحسب له ( يهدي من يشاء بغير حساب) .
فهل هذا الخطاب المتشنج يصلح ويتوافق مع النص ألقراني الصريح( قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) هؤلاء كلهم سموا مسلمين وليسوا من ملة وطائفة واحدة , ويأبى المتطرفون إلا أن يصروا على آرائهم , دأبهم هذا هو أن الحق معي والآخرون غيري هم على باطل يستحقون سوء العقاب .
لقد راينا كيف دخلت ملة الإسلام أفواج من قريش والقبائل واستسلم العديد من الصحابة للأمر الواقع (ولم يسلموا عن قناعة وإيمان خالصين) من بعد ما باتت عليه الرسالة من قوة بعد ضعف حتى قويت شوكة الذين استسلموا وعادوا طغاة مجرمين جبارين , وهذا هو دأب أحفادهم لحد الآن .
فالعديد من أمثال أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية ويزيد ومروان بن الحكم والمتوكل وبنو العباس وبنو امية والحجاج وغيرهم الكثير , تمتلئ بها كتب التاريخ والسيرة بسيرهم الإجرامية وأفعالهم الشنيعة في حق المسلمين وغير المسلمين , وكذلك الحال الآن نفسه مع المسلمين على غرار الجماعات الإرهابية في أفغانستان والعراق وإيران وتركيا ومدن أوربية والولايات المتحدة , ونحن نسمع بين الحين و الآخر الأخبار عن إلقاء القبض على ثلة مجرمة منهم كانت تنوي بث التخريب والفوضى بأعمال إرهابية .
أصبح جزء كبير من المسلمين مستسلمين وراضخين للأمر الواقع وهي أرادة الحاكم وفقهائهم وخطابهم التخديري الذي يشل العقول والأنظار عن المظالم التي يقوم بها أربابهم وأولياء نعمهم أمراء المؤمنين وظلال الله في ألأرض .
ليس لنا إلا الخطاب والفعل العقلاني بعيدا عن حسابات ألأرقام والأعداد والقسمة والجمع والضرب فلسنا بصدد حل معضلة حسابية أو معادلة آنية استعصى حلها , ولنتحرك ولو قليلا بعيدا عن سلطتي الواعظين المتفيقهين وكفانا نذرف الدموع في وقت الموعظة ويغمى علينا (كما كان عليه هارون الرشيد وغيره الكثيرون من أمراء المؤمنين والمؤمنات ويقطع ويحز الرؤوس في الوقت نفسه على رنين النقود والنهود والقدود) ونكون ظالمين طاغين متعسفين في الوقت نفسه , فلا تصبحوا شركاء في بقاء الطغاة والجبابرة على عروشهم يعيثون فسادا في ألأرض آمنين مستأمنين .

بلجيـــــــــكا
البريد ألإلكتروني: nelson_usa67@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: