الاثنين، مارس 22، 2010

تأثيرُ الأوساطِ والإعلامِ في مكانةِ المرأة

آمال عوّاد رضوان

الأوساطُ البيئيّةُ والجغرافيّةُ والطبقيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، كلّها مجتمعةً تؤثّرُ في تكوين المجتمعِ، وبما أنّ الفردَ ابنُ المجتمع، يتشبّعُ ويتشرّبُ بكلِّ العواملِ المحيطةِ به والمؤثِّرةِ فيه، فأيُّ خللٍ في وسطٍ ما، يؤدّي إلى خللٍ في الاتّزان الكلّي، والأنثى جزءٌ أساسيٌّ في المجتمع!

*الأوضاعُ السّياسيّة والحروب والنّزاعات الدّاخليّة والخارجيّة لها آثارٌ سلبيّةٌ على المجتمع، اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وأمنيًّا وسلوكيًّا، وحين يكون الوضعُ لا أمانَ ولا استقرار فيه، يظلُّ المواطنُ عرضةً للاستغلالِ والنّزاع، يتأبّط أنفاسَه صوبَ مصيرٍ مجهولِ الهويّة!

*الأوضاع الاقتصاديّة المتدنّية والبطالة المتفشّية، لها آثارٌ مضنيةٌ وشرسة على المجتمع، ومحفِّزةٌ للتوجّهِ إلى المخدّرات والدّعارة وتجارة الرّق، والأثرُ يكونُ أسوأ على الطّبقاتِ المسحوقة خاصّةً، واللاّهثة وراءَ رغيفِ الخبزِ الهاربِ على الدّوام، ممّا يضطرّ أفرادُهُ إلى التنازلات الفادحة، والتصرّف بطرق أقربَ إلى الهمجيّة والسّوقيّة، مُتّخذينَ من العنف منهجًا من مناهج الدّفاع عن الذات، وحقّ الوجود في حلبةِ صراع البقاء، فيسلكون أقصرَ الطرق الّتي توصل إلى نبعِ الأمان الواهم، ألا وهو العنف بأشكالِهِ المختلفة وطرق استغلاله، وخاصّةً على النّساء، مَن هنّ أضعفُ شأنًا منه، وأقلّ قدْرًا وقُدرة!

*الجهلُ آفةُ المجتمع، والعلمُ يساعدُ البشر في التنوُّر والتثقفِ والتعرّفِ على العالم الدّاخليِّ والخارجيِّ، وفي تلمُّسِ الطّريق الصّائب والمتطوّر بنورانيّة أفضل، وبأقلّ تعثّرات وسقطاتٍ وعشوائيّة، بل وعلى الغالب، يساعدُ في الخروج مِن قمقم الضّلالِ المعتم إلى حدائق النّور والعدالة، وإلى العالمِ الأوسع، وإيجاد فرص عمل أكبر، بأقلّ قدْرٍ للاستغلالِ والتمييز والاحتكار! فرفعُ شأنِ العِلم والثقافةِ عندَ أفرادِ المجتمع رجالاً ونساءً، له لغةٌ واعيةٌ وضّاءةٌ، لا بدّ وأن تُشعّ بالفِكرِ النيّر والبنّاء، ولا بدّ أن تنهضَ بأركان المجتمع إلى الأعالي. لكن، ماذا عن كثيرٍ مِن المجتمعاتِ التي بلغَها العِلم، وحظيتْ بمراتبَ عاليةٍ وتألّقتْ اقتصاديًّا وسياحيًّا وعمرانًا، لكنّها ظلّت في قوقعةِ التخلّف السّلوكي فيما يخصُّ المرأة؟ لماذا؟

*العقليّة الصّلبة والمتحجّرة، تضربُ المرأةَ بسيوف أعرافِها الموروثةِ في خباءِ الجاهليّة، وتقصمُ ظهرَها قسرًا بسهامِ القمْعِ والممنوع، ورماحِ الظّلم والمحظور، قبلَ أن تتفتّحَ عيناها على جنائنِ الحياة؟

إذًا، كيف يمكنُ استئصالُ العقليّةِ القبليّةِ القديمة والمتأصّلةِ، كي لا تستمرَّ في الهيمنَةِ على الواقع الحاضر؟

*هل مشاريعُ محْو الأمّيّة (هذه المعضلة في بعض دول الشرق)، يمكن أن تكونَ نقطةَ انطلاقٍ في الخلاصِ إلى الأفضل، على اعتبار أنّ الأمّيّةُ هي العدوّ الأوّل لحضارةِ المجتمعات، والتي تساهمُ في تأثيثِ الجهل وتخلّف المجتمع، والإناث مربّيات الأجيال خاصّة، وعدم إدراكِ الحقوق الإنسانيّةِ والبشريّة؟

*وهل سَنّ القوانين والتّشريعات كافيةٌ في خلْق مناخٍ تشعر فيه المرأة بالمساواة مع الرّجل، أم أننا بحاجة إلى خطواتٍ اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ وتوعويّة؟

في الحكوماتِ الدّيمقراطيّة يتمّ سنّ القوانين والتّشريعات بقرار الأغلبيّة رغم التّعدّديّة، ولا بدّ مِن أن تطبّقَ هذه القوانين، دون التحايل عليها من هذا الجانب المعارض أو من ذاك المشاكس، فتطبيق القانون يحتاجُ إلى اقتناع الشّعب أوّلاً به، وإيمانِهِ بالنّهوضِ بالأمّة ورِفعتِها، مِن خلال الرّجل والمرأة معًا.

هناك حاجةٌ ضروريّةٌ في خلْقِ شعورٍ بالأمن والأمانِ في نفوس الشّعوب، وخاصّةً في نفوس النّساء، فلا يكفي سنّ قوانين غير فاعلةٍ على أرضِ الواقع، والتي تُحارَبُ على أنّها مستورَدة مِن الغرب!

وأيضًا هناك حاجةٌ لخلْقِ روحٍ توافقيّةٍ سِلميّةٍ بينَ الفئاتِ متعدّدةِ الوجهاتِ العلمانيّة والتّوجّهات الدينيّة، فلا تقودُ القوانين الحكوميّة إلى تناحرٍ دينيّ ونزاعٍ طائفي وخلاف حزبيّ..

وعلى سبيل المثال، كيف نفسّر أبسط الأمثلة القائمة، حيثُ في كثيرٍ من البلدان، هناكَ نِسَبٌ كبيرةٌ من الإناث اللواتي يتسرّبنَ من المدارس، أو لا يلتحقنَ بمقاعدِ الدّراسةِ بتاتًا، رغم وجودِ قانون التعليم الإلزاميّ الذي ينصّ على حقّهنّ في التّعلم، وذلك لأسبابٍ تتنوّع، إمّا بسببِ الأوضاع الأمنيّة والنزاعات المسلّحة، أو بسبب أفكارِ الأهلِ الرّافضة للفكرة، والتي لا ترى مِن منظورِها أنّ للفتاة حقّ في التعلم، ولا تُدركُ أصلاً أهمّيّةَ العِلم وخاصّةً للفتاة، أو بسبب الفقر والحاجةِ المُلحّة لقوتِ اليوم؟ هل لهذه الأسباب نجدُ أعدادًا هائلةً منهنّ تتسرّب، من أجلِ العملِ أو الزّواج المبكّر أو...!

*إذًا؛ كيف يمكنُ تنفيذُ هذه المشاريع الحكوميّة، وهناكَ سلسلةٌ مِن القوانين في كلِّ نظام ونظام، يُضرَبُ بها عرضَ الحائطِ، فلا تُطبّقُ،، ولا يُعاقَبُ مُخالِفوها؟ وهل عدمُ مُجازاةِ ومقاضاةِ المُخالفين، يَجعلُ القانونَ عاجزًا وفاشلاً وفاقدًا لقيمتِهِ الحقيقيّةِ والواعدة!؟

مشوارُ الألف الميل يبدأ بخطوةٍ مؤمنةٍ بالنّجاح!

*في ظلالِ الأمّيّةِ وغيابِ الثقافةِ والوعي، وفي ضبابِ تغييب صوتِ المرأة الحُرّ عن باحةِ الحوار والنقاش المشترك، وبسببِ النّظرةِ المستبدّةِ المُجحِفةِ بحقّها، هناك ضرورةٌ ماسّة للتكثيفِ الإعلاميِّ؛ المرئيِّ والمقروءِ والمسموع؛ إعلام يُعنى بشؤونِ المرأة، ليبثّ دورَهُ التّوعويّ والتّثقيفيّ في المجتمع عامّة، وفي فئةِ النّساءِ خاصّة، كي يتمكّنَّ من معرفة حقوقهنِّ، وتحصيلِها مِن خلال مراكز استشاريّةٍ وقانونيّة، ومن أجلِ لملمةِ أغراسِ الجهودِ المبذولة في حدائق العدالة، بعيدًا عن أطلال الضّياع والدّمار!

*هناك حاجة إلى عقْدِ ندواتٍ وحواراتٍ نسويّةٍ واسعةٍ للتّوعيةِ والتثقيف تُواكبُ المستجدّات، وتتابعُ الخطوات السّابقة وتُقيّمها، من خلال الحضور النّسويّ الحيويّ والفاعل، ومن خلال ردودِها الفعليّة والعمليّة!

*وأهمّ نقطةٍ في الموضوع كلّه، أنّهُ لا بدّ مِن وجودِ المرأة المثقفة، في المواقع السّياديّة، وصُنع القرار، واللّجان الوطنيّة، وتعديل الدّستور، لأنّها تلامسُ واقعَهُ بطبيعتِها الأنثويّة المناضِلة، ويمكنُ أن تخدمَهُ بالوسائل والسّبل الأنجع والأساليب الأفضل!

ليست هناك تعليقات: