الجمعة، يوليو 27، 2007

أعراس " للفشخرة " والجاه الاجتماعي

راسم عبيدات
...... لأننا أمة مهزومة ومقهورة ومأزومة من المحيط إلى الخليج، فإنه ليس أمامنا إلا ان نستعرض، بطولاتنا وصولاتنا وجولاتنا " وضرب الموزر يلبقنا " أمام نساءنا، ونثبت لهن أننا خبرا ، بل وسجلنا الرقم القياسي في كتاب " دينس "، في إلتهام " الطبايخ " وإعداد الولائم والمناسف، وخبرتنا هذه لا تضاهيها سوى خبرة ومأثرة أخرى، هي عشقنا وحبنا للنساء، والقدرة عل إفتراسهن والتهامهن كالتهام الطعام، كيف لا ! ونحن امة مثنى وثلاث ورباع وما ملكت أيمانكم، وأمة حاتم الطائي، أمة يشهد لها القاصي والداني بالكرم العربي الأصيل وحسن الضيافة، حتى أن البند الرئيس لكل القمم العربية هو " هذا وقد عبر أصحاب الفخامة والجلالة والسمو من رؤساء وملوك وأمراء عن عظيم شكرهم وتقديرهم على حسن الضيافة والإستقبال ..." ، وكذلك أليس نحن من إبتدعنا وأجزنا وشرعنا وأصدرنا فتاوي زواج المسيار وزواج المتعة وزواج الكيف وفتاوي إرضاع الكبير من زميلته في العمل قبل إرضاع الصغير من أمه والحبل على الجرار، ولأن مجتمعاتنا العربية صاحبة البراعة والاختراع في المداهنة والنفاق الاجتماعي، فأبشركم بأننا لن نتقدم خطوة واحدة للأمام، ونحن بحاجة إلى ثورة اجتماعية شاملة على كل المفاهيم والمواريث الاجتماعية التقليدية والبالية، والتي تعشعش في تلافيف أدمغة وعقول الكثيرين منا الواعين والمثقفين قبل غيرهم، وأنا في هذه المقالة سأسلط الضوء على المظاهر والسلوكيات المرافقة لحفلات الأعراس عندنا، هذه الأعراس التي يفترض أن تكون، مناسبات للفرح والمسرة والبهجة وإستحضار تراثنا وقيمنا الإيجابية، ولكن هذه المظاهر والسلوكيات والتي سأتحدث عنها، أصبحت مصدر قلق وإزعاج وشكوى وتذمر الكثيرين منها، ولكن دون أن يجرأ أحد على تعليق الجرس، أو خطو خطوة عملية إلى الأمام نحو الحد منها وليس التخلص الكلي، بحيث غدت الأعراس مشاريع للإستثمار الاجتماعي والاقتصادي، واستعراض لمظاهر الجاه الإجتماعي " والفشخرة " وغيرها، من الأمراض الاجتماعية، وكذلك غالباُ هذه الحفلات ما يرافقها إسراف وتبذير غير مبرر وليس له داع أو سبب سوى " الفشخرة " والمظاهر الكذابة والمخادعة ومقولات " ما في حدى أحسن من حدى " ،أبو شادي ذبح في عرس إبنه عشرين راس غنم، إحنا لازم نذبح ثلاثين، عزم ألف إحنا لازم نعزم ألفين، وإذا سهر ليلتين لازم نسهر ثلاثة، وإذا جاب فرقة على السهرة، لازم نجيب فرقتين حدايه وعويده، لأنه إحنا ناس معروفين وما بصير في البلد، يظهر أبو شادي إنه لا سمح الله أحسن وأفضل منا، وإحنا أولاد أصل وفصل ، ومن جماعة السيف أصدق أنباء من الكتب، وفي هذا السياق لكم أن تتصوروا أن ، أحد الأشخاص في إحدى المدن الفلسطينية، في حفلة عرس أحد أبنائه، وجه الدعوة لعامة الناس لحضور حفل الزفاف، وأن بطاقات الدعوة للعديد من الأشخاص، استقدمت خصيصاً من خارج البلاد، بالإضافة إلى أنه سعى لإنزال العروسين من الجو فوق صالة الأفراح، أما اللحوم والفواكه والحلويات والمفرقعات وأسطول السيارات المرافقة للعروسين فحدث ولا حرج، والشيء الملفت والغريب هنا يا إخوان، أن الكثير من الشخصيات الدينية و السياسية والاجتماعية التي تنتقد هذه الظواهر والمظاهر ليل نهار، هي أول من يلبي هذه الدعوات، ويبارك مثل هذه الأعراس، دون أن تقول في حقها كلمة نقد واحدة، خوفاً أن تفسد فرحة العروسين وأهلهما، وحقيقة الأمر هي في قرارة نفسها راضية، وتزهو " كالطاواويس " في صفوفها الأمامية، معززة بذلك حالة النفاق والرياء والدجل الإجتماعي، وبعد ذلك تريد أن تقنع الجماهير، بانها رموز للتغير والتثوير ، وهي في الغالب رموز للتطبيل والتزمير ليس إلا، هذه الظواهر والمظاهر التي يجب التوقف أمامها ليس في الأعراس فقط، بل في الكثير من سلوكنا ومظاهر حياتنا الاجتماعية، وبالعودة لحفلات الأعراس والمظاهر والسلوكيات المرافقة له ، والتي تهدر وتبدد الكثير من المال والوقت والجهد والأعصاب للكثيرين منا، والتي لربما تصل لحد سن قوانين وتشريعات أو لربما ميثاق شرف، رغم قناعتي أن مواثيق الشرف لم نحترمها في حرمة الدم الفلسطيني، فهل من المعقول أن نحترمها ونلتزم بها في الأعراس ؟ ، ففي الكثير من حفلات الأعراس وتحت ذريعة ويافطة ، أن هذه فرحة العمر ، ترى وتشاهد الكثير من مظاهر " البهرجة والفشخرة " والتي في العديد من الأحيان ديون على جيبة العريس ، يقوم بتسديدها بعد انتهاء مراسيم العرس، "وبعد ما تروح السكرة وتيجي الفكرة "، بدءاُ من بطاقات الدعوة ومروراً بتسريحات الشعر في الصالونات، حيث تحرص العروس على أن يرافقها جيش من القريبات والصديقات على حساب العريس لمشاركتها الفرحة، وأسطول السيارات المرافق للزفة وكاميرات التصوير المجوقلة والأرضية وغيرها، والأمور ليست قصراً على ذلك، فإن ابتلاك الله وكنت شخصية ذات موقع مرموق أو مسؤول أو شخصية عامة أو مجتمعية، وكانت ظروفك المادية على قد الحال، لأنك ليس من جماعة " 'إهبش قد ما بتقدر " ففي إطار النفاق والتملق الاجتماعي تصلك بطاقات الأفراح على مدار الأسبوع والعديد من بطاقات الدعوة لأعراس في نفس اليوم، وتختلط عليك الأمور، وتصبح على غرار العديد من موظفي ومدراء " الأنجزة " بحاجة إلى جداول للمواعيد والأعراس وسكرتيرات تنفذيات، والمسألة ليست حصراً على دفع النقوط ، بل أنك عندما تقرأ بطاقة الدعوة، ترى أنها أشبه بالبيان أو التعاميم الداخلية، يوم للحناء ويوم للشموع، ويوم للغداء ، ويوم للسهرة، ويوم للفرقة والعويده، ويوم لحفلة الزفاف، وطبعاً جزء من هذه الطقوس، في بيت أهل العريس، وجزء آخر في بيت أهل العروس، وأخرى في القاعات وخلف "المحاسيم" والجدران الفاصلة، وتجد نفسك في دوامة غير منتهية، وهي ليست قصراً على يوم أو شهر دون الآخر، ومن مظاهر النفاق والتملق والرياء الاحتماعي، التي تشاهدها في هذه الحفلات، أن بطاقات الدعوة لا تصلك فقط من أصدقاء أو معارف لهم علاقات أو صلات بك، بل من أناس لا تعرفهم ولا تقيم صلات معهم، وكذلك حملات الإبادة الجماعية للثروة الحيوانية وتحديداُ، الخراف والجديان، وصناديق المشروبات الغازية ودلال القهوة الساده بالإضافة إلى معارض الفواكه، وشباب وصبايا يرقصون على أنعام موسيقى غربية تصم الآذات ، وغالباً ما تكون أغاني من الفن الهابط من طراز " رجب وبوس الواو وآه ونص ... الخ .
وبعد ألم يحن الوقت للوقوف أمام مثل هذه المظاهر والسلوكيات المرافقة للأعراس وغيرها الكثير من المناسبات الإجتماعية، والتي تثقل على الجميع، وكما ينتقدها الجميع بصمت دون أن يجرأ أحد على تعليق الجرس، فهل نبادر ونخطو خطوة عملية نحو محاربة هذه المظاهر والسلوكيات التي تثقل علينا جميعاً ،أم نستمر في سياسة النفاق والرياء والتملق الإجتماعي .؟


القدس – فلسطين

ليست هناك تعليقات: